الثلاثاء، 10 أبريل 2018

إلى رضوى علي.. من شيكاجو إلى الهرم؛ سكة سفر

"قدامك سكة سفر"
عزيزتي رضوى،
كنت الطفلة التي يطالبها الجميع بأن تخرس.. تلك الكلمات التي تبدد دخان الأكاذيب الوردية لا يرغب أن يسمعها أحد؛ خصوصا بصوتي "المسرسع"!
أقول: إن نفذنا الخطة التجميلية وطفحت البلاعة لن يتمكن أحد من دخول العمارة أو مغادرتها فيتم زجري لتدخلي في كلام الكبار!

أقول لمدرسة الأحياء: نموذج ال DNA ثلاثي الأبعاد، وخال من العقد التي ترسمها بالطباشير وتؤكد وجودها فتتهمني بالشغب وتطردني من الحصة!

كنت الطفلة التي يطالبها الجميع بأن تخرس، والناضجة التي تحاول بشدة أن تتكيف لتجد مكانها بين الكبار..
أسأل موظف التلغراف عن دلالة الأرقام في الورقة: فتشير خالتي لرأسها بثلاث أصابع "علامة على الجنون" وتقول معلش أصلها بتاعة فيزيا!! ويتبادلا الابتسام!

على الهاتف اسأل: ما دلالة قدرته على الوقوف وهو مريض؟ ألم تدخل أمي المستشفى مشيا على قدميها منذ شهور وهي في أخر مراحل مرض خطير -أدى للوفاة-!
فيصلني الرد: خلاص خلاص أنا مش بفهم كلامك! متبوعا بصوت انقطاع الخط!!
..
أكره السفر يا رضوى..
أكره حزم الحقائب، تفتيش المطارات.. قلة النوم لاختلاف التوقيت.. فراق الأحبة.. لحظات التوتر.. والأهم كسر الروتين والسكينة!
أنا أعشق الأستقرار.. وأكره السفر!

أحلم بحياة عادية رتيبة: أستيقظ مبكرا، الأفطار سويا، العمل لساعات محددة يوميا، شراء البقالة، متابعة شيء ما على الشاشة (مبارة كرة سلة، أو ربما بطولة تنس).. الغسيل.. 
وبنهاية اليوم الاستلقاء على الفراش متجاورين، في أمان يسمح لي بالتعبير عن نفسي بحرية!!

أما الواقع، فأنا أحزم حقائبي للسفر مرتين سنويا .. على الأقل!
أنتقل من مدينة لأخرى.. ومن حلم بالاستقرار لأخر!

منذ سنة واحدة كنت في طريقي إلى تريستا (إيطاليا)؛  تلك الزيارة التي انتهت بنسياني مخدتي الكحلية الصغيرة في الأوتيل!
المخدة صاحبتني لخمسة أعوام تقريبا، من دالاس تكساس إلى قمة جبل موسى، ثم قمة جبل كاترين مرورا بزيارات متكررة لموسكو ثم الخروج للرعي في أودية سانت كاترين وأنتهاءا بتريستا.
كانت مستقر السكينة الثابت. كل ما نلته من حلم الاستقرار هو مخدة رقبة كحلية مساحتها أقل كثيرا من ربع متر مربع!!


منذ أسبوع وجدت نفسي في فرع المتجر بشيكاجو، أقف أمام مخدة رمادية تشبهها، أمسكتها لثوان بتردد وضعتها حول رقبتي.. ثم ضفتها لمحتويات سلة مشترواتي!!
فها أنا أستمر في حزم حقائبي.. بحثا عن سكن دائم، وعلاقة مستقرة، ومساحة حرة أتمكن فيها من الكلام دون زجر أو نبذ.. 
محبتي

شيكاجو - أبريل 2018