الثلاثاء، 6 مارس 2018

إلى أحمد زكي.. من شيكاجو إلى أوكلاند؛ ثم ماذا؟!

Perhaps home is not a place but simply an irrevocable condition.
ــــ James Baldwin


العزيز أحمد،
تذكرتك ثلاث مرات على الأقل في الاوبرا..
بالتأكيد حضور عرض أوبرا، ولو كان بروفة الملابس النهائية، خارج خططي الحالية.. فرصيدي في البنك 8 دولار و55 سنت!
اين لي تذكرة تتعدى ال 170 دولارا؟!
ولكن في جبعة الحياة كثير من المفاجأت كما يبدو، كنت في المطبخ ليل الاثنين، أغسل الفواكه، أتت أيرس واخبرتني ان معها تذكرة لبروفة الملابس غدا لأوبرا فاوست، وأن لديها موعد مع الطبيب فلن تتمكن من الذهاب للاوبرا.. عرضت علي التذكرة، أنا أو احد أصدقائي، سألت ولكن الجميع مشغولات بامتحانات الميدترم، بعد تردد قررت الذهاب :)


ذكرتك أول مرة عندما سألتني السيدة في الكرسي المجاور عن بلدي، فأخبرتها مصر.. أثناء الحوار سألتني إن كانت هذه أول مرة لي في الأوبرا، رددت بأنني حضرت أوبرا عايدة في القاهرة.. وتحدثنا عن مغنيين السوبرانو المصريين والأمريكان..
أحب مصر يا أحمد.. ولا أدري إلى ما سينتهي هذا الوضع.. لأول مرة منذ سنوات لدي اجابة صادقة وملموسة على سؤال: ماذا أفعل هنا؟!
ولكنها غير كافية كما يبدو.
أو
هي أصغر قليلا من تغطية كل هذا الوجع/الحنين!
أنا لم أتجاوز الصدمات النفسية المتكررة التي اختبرتها السنوات الأخيرة.. وكذلك ليس لدي اجابة على نفس السؤال في القاهرة!!
كما اتفقنا من قبل -أكرر- أحبها من طرف واحد.. مع الأسف!

بدأ العرض!
انتاج جديد لأوبرا فاوست، برؤية حداثية شيئا ما..
مصمم الإنتاج، جون فريم. فنان تشكيلي، هذا هو انتاجه الأول للأوبرا.. وهذا بالطبع ظاهر بشدة، فقد تخلل مشاهد الأوبرا، أفلام المتحركة القصيرة، وماسكات منحوتة، وخلفيات المتحركة بالبروجيكتور. وهذا لم يعجب محبي الأوبرا المخلصين Too many things, so distracting !! كما قالت السيدة التي تجاورني :)
في الاستراحة الثانية وبعد اندهاشها قليلا أن العرض أعجبني، علقت Maybe the kids will like it! وبحسابات فارق السن، أظن أني أنتمي لفئة الKids من وجهة نظرها!

Faust

خلال العرض تذكرتك في كثير من المشاهد، في الحقيقة كنت أتمنى لو كنت هنا وشاهدناه معا.. ربما لأنه ذكرني ب"انتاجك"، وربما لثقتي أنك ستحسن تقديره!
..
في اليوم التالي، استجمعت طاقتي، وذهبت لبارك قريبة، كنت وحدي معظم الوقت، ألتقطت بعض الصور، وجلست للقراءة قليلا. عدت للبيت وأفكر: في كل الأماكن التي زرتها/عشت فيها تقريبا كنت أتوصل بعد عناء قليل لمكان وتفاصيل تشبهني!
في كل مدينة، كان هناك ممشى أشعر فيه بونس روحي، وتفاصيل صغيرة، مشروب مفضل، في دوبنا كنت أشرب إيرل جراي بالحليب.. في تريستا قهوة باللبن، وهنا قهوة سوداء بدون سكر!
لكل مكان أصواته؛ في كولومبس بارك سمعت صوت الكاردينال الأحمر لأول مرة.. بعد يومين، صباح نهاية الاسبوع ميزت صوته فور استيقاظي وابتسمت! مازلت أفتقد صوت الكروان قبل الشروق!!
**
اليوم أثناء ساعاتي المكتبية، كنت أشرح بعض المسائل فتاة عرفت بعدها أنها فلسطينية، قلت أنني من مصر، سألتني تفتقدينها، كان ردي أسرع من أفكاري: لا!
ثم امتلأت عيوني بالدموع!
نعم أفتقدها!
يطفو السؤال بذهني فورا.. ثم ماذا؟!


ولكنني لا أدري يا أحمد!


هل ستنتهي هذه الغربة يوما.. أم أنها تغللت تحت جلدي وفات الأوان!
على كل حال الغربة هنا ماتزال، أطيب وأيسر: واضحة وصريحة، وسهلة الاستئناس! هي في القاهرة كمرض خبيث؛ يمتص كل طاقتي ويسرق الأكسجين من دمي قبل أن يصل لخلاياي!!


مودتي
شيكاجو - مارس 2018


ليست هناك تعليقات: