الأحد، 22 يناير، 2017

إلى غادة خليفة .. (سؤال الوجود)

تصويري.. وادي إطلاح، سانت كاترين
عزيزتي غادة،

عدت حالا من زيارة قصيرة للسوبرماركت، في البدء درت داخل المحل بحثا عن البيض، ثم أدركت وأنا أمام الكاشير أن مطبخي ينقصه فلفل أسود.. أودعت مشترواتي خزنة صغيرة بجوار الباب، درت مرة أخرى بحثا عن رف التوابل، وقفت لدقائق أتأكد من ان الكيس يحوي فلفل أسود.. ثم وقفت أمام الكاشير مرة أخرى.. لاحظت عرضا على الشوكولاتة. ذكرتني الشوكولاتة "ميلكا 190 جم" بأمي فورا..فاشتريت اثنين لأنني لست واثقة ان معي ما يكفي لثمن ثلاثة.. أمام الخزنة الصغيرة أخرجت كل العملات المعدنية من محفظتي وعددتها فاتضح انها تكفي لشراء باكو شوكولاتة اضافي.. فعدت للكاشير للمرة الثالثة وأشتريت واحدة اضافية للأولاد :)
من أنا، هل أشبه أمي؟ أم أتقمص دورها؟
كان باكت الشوكولاتة العملاق في غرفتي هو أميز العلامات الدالة على عودتها من السفر.. لا أذكر تفاصيل كثيرة، مشهد واحد عالق بذاكرتي، كنت مع أختي أمام البوتاجاز في أحدى الصباحات الشتوية نجهز مشروبا دافئا ربما الكاكو باللبن.. نقرب قطع الشوكولاتة من البخار المتصاعد من الغلاية.. فتسيل الشوكولاتة.. ونتذوقها دافئة ولذيذة!لا أذكر التاريخ..فقط أذكر طعم الشوكولاتة وضوء الصباح على يساري من الشباك الضخم للمطبخ.. والدفئ بيني وبين أختي، ذلك الدفئ الذي سنطارده بعدها لأعوام، فنحظى به أحيانا.. وننساه أحيان!أصبحت عادة، كلما سافرت خارج البلاد أشتري شوكولاتة لأطفال العائلة.. ربما متقمصة دور أمي.. وربما في محاولة لتحلية طعم السفر وتغطية وجهه الأخر!!


أما عن الوجه الأخر، فلقد قدمت على وظيفة في أفريقيا. كنت في طريقي للمطار عندما أخبرت مي، أجابتني بلا قاطعة. رددت بأن المرتب مغري جدا، جنوني ألا أذهب! (يا ستي قولي يارب يقبلوني!)كانت المرة الأولى منذ سنوات التي أتذكر صوت أبي. كان المرتب كبير جدا حينها -وللأن- قال أيضا أن رفض وظيفة كتلك هو جنون!
هذه الأيام أذكر أبي كثيرا، أعرف أن قرارات مصيرية وجرئية وثورية كالتي أتخذها هذه الأيام، تشبه أفعاله كثيرا. أعرف أن رفضي لسماع الصوت الداخلي المُعنف لأفعالي: "البنات الكويسين مش بيعملوا كده!!".. والاستجابة لما تقره مشاعري هو فعل يليق بابنته!كلما سألني أحدهم لماذا لم أدخل امتحانات الدكتوراة لدور يناير، أجيب نفس الاجابة: (صحيت من النوم بدري ماحستش إني عايزة أنزل أمتحن، فحضرت الفطار وقعدت أتفرج على فيلم في البيت!) تبدو إجابتي-الصادقة- جنونا.لا أحد يفهم أن هذا هو تصرفي العقلاني الأول منذ سنوات.خلال الأيام الأخيرة أسأل نفسي كثيرا عما أتذكره عنه، فأجد القليل.. أنا أعرف -جيدا- الرجل الذي أحبته أمي وتزوجته وأنجبتنا ثم أنتظرته حتى الموت، أكثر مما أعرف أبي الذي شاركني ساعات طويلة من اللعب في المنزل وفي الشارع. أبي الذي ورثت عنه نهم لا يشبع في المعرفة..والذي ورثت عنه كل خروجي عن المألوف.. غالبا!قد أكون عالقة في السؤال: من أنا؟ هل أشبه أبي؟ أم أتقمص "اسوأ" أدواره؟
وقد أكون حرة لأول مرة منذ سنوات.هل أنا مستقلة عنهما..أم مجرد امتداد؛ تكرار لكل أختياراتهم ولكل أخطائهم أيضا!
رضوى داود

روسيا - يناير2017

ليست هناك تعليقات: