الجمعة، 27 نوفمبر، 2015

إلى مصطفى عبد الحميد.. (الغربة)

عزيزي،
يستدعي عقلي مكالمتنا الأخيرة مرارا. كنت قد حاولت الأتصال بك طوال اسبوع بعدها، لكن سيدة البريد الصوتي تجيبني كل مرة. استدعي جملا حوارية بعينها، تتردد في ذهني بصوتك.
أنا أفعل هذا كثيرا يا مصطفى، مثلا: لا أذكر كثير من تفاصيل ذلك المساء في مارس 2011. أذكر أرضية المستشفى الخضراء ورائحة المعقم، وصوته المنهك يدعوني للدخول.. أذكر سؤاله عنك وأخرين.. وضحكه الموجع عندما سألته إن كان الجرح مايزال مؤلما!!

مدهشة أعمال العقل يا مصطفى، كنت تحت تأثير العقاقير وفعل صدمات متتالية، عاجزة تماما عن تذكر أسماء الأشياء، تحويل الرموز على الورق للفظ يمكن فهمه.. وبالتأكيد، فهم أربع جمل متتالية في مقدمة بحث كان عصيا!!
ظننت أن سعتي الذهنية تقلصت للأبد. لكن كل ما تلا كما تعلم كان مفاجئا. كم مرة بعدها استعدت ألق ذهني، ثم تبخر بصدمة جديدة؟ بصراحة، لقد توقفت عن العد..
أعرف فقط أن كل هذا سيتكرر.. فالدنيا التي يحكمها الصراع تدهس أمثالي دون انتباه،، والبشر كما تعرف لم تمس قلوب معظمهم الرحمة.
**
منذ أيام كنا نحكي عن سنوات الدراسة، كيف يبدأ الكلام بأمر عام وعادي كأنظمة التعليم، وينتهي بالغربة! يبدو الآن قلبي، كأسفنجة غمست في حمض مخفف.. تشرب الغربة الحامضة، ثم بدأ الحمض في أكل لحمه على مهل، تماما كما تأكل مياة الأمطار صخور الجبل..
في زيارتك الأخيرة، لماذا بحثت بحماس عن صور طفولتنا، وذكرت شريف؟
بحثك هذا أضاء الفراغ الكبير -الذي كان قلبا- في صدري.. وتركتني بادراك جديد؛ "كم أنا مجوفة!”
**
بالأمس كنت أبحث بين أوراقي. عثرت على دفتر اللغة الألمانية.. جمل مكتوبة بخطي.. أنا لا أذكر دراستي الألمانية لسنتين! وجدت كذلك امتحان تجويد.. بخطي!!
جلست بعدها على الأرض لدقائق، أفكر أن فتاة تحمل نفس اسمي، كانت تعيش في هذه الغرفة لسنوات.. تدرس الفيزياء، مثلي، وتعرف قدرا من الألمانية، تحفظ ما تيسر من القرآن، ويبدو من إجابات الاسئلة في الورق أمامي، براعتها في أحكام التجويد!!
فتاة لم أعرفها، لكني أعيش مكانها، بنفس الاسم والعنوان والوظيفة.. وعليَّ تقبل أثارها، كما نفعل -عادة- مع ما يتركه ساكن سابق للشقة!
**
عزيزي مصطفى
منذ قليل تلقيت ايميل من موقع booking.com تخفيضات على فنادق في سان بيطرسبرج وبرشلونة، وتذكرت خطتنا لقضاء الصيف القادم في أسبانيا، أعقب بصوت مسموع: “مصطفى مش هايكلمني تاني غالبا"!
ولكني، أنكر مايمليه عقلي، وأدعو الله أن يعود ما بيننا كما كان..

مودتي.. رضوى
أكتوبر-نوفمبر 2015

القاهرة - سانت كاترين