الجمعة، 13 يونيو، 2014

يا صلاح.. 3

هنا القاهرة!
أبدأ كتابة هذه الرسالة قبل أن تهبط الطائرة بدقائق.

هنا القاهرة!
لن أحدثك عن أرض الله الواسعة، ساعات قليلة ويمكنك الإنتقال لبقعة أخرى ترى الليل ساعات قليلة جدا يوميا، تغطيها الغابات، ويتحدث أهلها لغة أخرى لم أتعلم منها طوال ثلاثة أسابيع سوا "سباسيبا" أي شكرًا.
لن أحدثك عن أرض الله الواسعة..

كنت أنوي الكلام عن قهر مدينتي الأم التي يسكن قلبي رغم البعد، لكنني لن أحدثك عنه أيضا فيكفي كل منا مايراه!
**
سأحكي لك عن الأمل الذي تخبئه لنا الأيام..
عن يومين متتاليين في البلاد البعيدة جدا..

بداية لابد منها؛
في المعمل الذي تدربت فيه يشغل طلاب الماجستير والدكتوراة القبو!.. في البدء كنا في معمل صغير مجهز ب"وايت بوردز" و حوض صغير وتلاجة وميكروويف وبالطبع بضعة دفايات. لكننا لأسباب تنظيمية بحته أنتقلنا لمكتب أخر..
يكفني أن أخبرك.. كنا في الدور صفر حيث الغرف كلها 01 02 .. 08 09 وهكذا
وأنتقلنا إلى الغرفة 003!!
الغرفة أصغر ويشغلها ثلاث مكاتب وسبورة سوداء كبيرة..
**
في صباح ذلك اليوم، وصلنا أنا وماجد في التاسعة والربع تقريبًا، ثم أتت عاملة النظافة..
امرأة خمسينية، تكلمت سريعا بالروسية ولم نفهم ماتريد طبعا، بحماس وبشاشة بدأت في تلميع المكاتب.. ثم مسحت السبورة بخرقة مبللة..
ولكنها لم تمسح السبورة.. بل مسحت الأماكن الفارغة حول المعادلات المكتوبة بخطي، علها تكون على قدر من الأهمية لن تتحمل مسئولية محوها!!
ثم بدأت في كنس الغرفة.. لحظتها أدركنا "علينا الخروج" وخرجنا بالفعل للسلم الصاعد للباحة الخلفية للمبني..
جلست على درجة من السلم وبدأت دموعي تسيل!
هذه المرأة تكلمت معي بلطف وتقدير، وهي أشياء لا تحتاج فهم اللغة لتدركها.. ووحدي أعرف أنني غير مستحقة لهذا التقدير..
ماذا تحديدا يميزني عنها؟
ربما فارق عمري عشرون عام!
ربما انها تتحدث الروسية وأنا لا أفهم منها حرفا والعكس!
هي عاملة نظافة، وأنا باحثة أعمل في جامعة بعيدة جدا أدرس وأدرس الفيزياء.. شيء ما شديد التعقيد في نظر الكثيرين!
هي عاملة نظافة ووحدي أعرف أن بتغيير درامي بسيط من الممكن أن أشغل نفس الوظيفة!
يكفي أن أتذكر تلك الأيام القريبة التي كنت عاجزة فيها عن تكوين جملة بسيطة ك "أريد هذا القلم" لأنني لم أكن أعرف ماذا نسمي هذه الأداة الرفيعة المستخدمة في الكتابة!
كان في صدري مزيج من الإمتنان لله والشعور بهشاشة هذا الكائن المسمى "أنا"!


عدنا للغرفة.. ولكني عجزت عن التركيز..
فقررنا الذهاب للكافيتيريا لشراء كوكاكولا..
أثناء العودة ذكرت مشروع The burning house
وفكرنا ماذا يمكن أن يأخذ كل منا في هذه الموقف..
في البدء "لا شيء.." ثم تذكرت سلسلة أمي التي أرتديها كلما شعرت بالتوتر لتطمئنني..




وعندما عدنا للمكتب مرة أخرى، عرفت عن نفسي حقيقة جديدة؛ "أنا أهرب من الوحشة بالتركيز في مناقشة علمية.. تماما كما أخفي وجهي من المخاوف خلف عدسة الكاميرا"
**
في الصباح التالي كان موعدنا مع الأستاذ الأجنبي؛
تابع عرضنا للتقرير ثم أوقفني لأعيد عرض نقطة ما وسأل بأهتمام هل هذه نتائجك؟ وعندما رددت بالإيجاب وشرحت باختصار مافعلت لأحصل عليها.
رد بحماس: هذه المدرسة تعقد منذ خمسة سنوات، وأنت الأفضل!
**
هذا الصباح قرأت خواطر فضل عن الذكر: 

"اللهم إني أعوذ بك من شرّ نفسي، ومن شرّ كل دابةٍ أنتَ آخذٌ بناصيتها،
إنّ ربي على صراطٍ مستقيم،
ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله،
أعلم أنّ الله على كلّ شيءٍ قدير،
وأن الله قد أحاط بكلّ شيءٍ علماً"

وفيه ختام حسن بفضل الله

ليست هناك تعليقات: