الجمعة، 4 أكتوبر 2013

ومنك يشملُنا اللطف

منذ أسبوع كنت أفكر لماذا يعيش المرء حتى يتجاوز الخامسة والأربعين! أختفى أقرب الأقربين قبل اتمامه الخامسة والأربعين لهذا ربما أظن لا حاجة لأحد بأكثر من هذا.. أذكر عندما كنت طفلة كانت رؤيتي للمستقبل، امرأة في أواخر العشرينات تسكن وحيدة في استوديو تغمره الشمس بشكل يومي وتقرأ وتطبخ وتستمتع بالموسيقى!
الفرق بين ما حلمت بيه وبين الواقع ليس ضخما ولكنه جوهري!
كانت أمي لم تتم عامها الثاني والخمسين عندما انطفأت.. مر أربع سنوات على اسبوعها الأخير –أيام الإبيضاض والآلام-..
في الليلة الأولى كانت مشاجرتنا الأخيرة!.. فلنتفق أن الموت ينهى كل الخلافات الحياتية المنغصة! تتحول من مشاكل مؤرقة لتفاصيل! تخفت بشدة امام هول المصيبة..ليس من الهين في المقابل أن تخبرك أمك أنها تموت! في الاسبوع الذي يسبقه ارتفع صوتي بغضب شديد في مركز الأشعة.. تقريبا كانت المرة الأولى التي أنفجر فيها غضبا!
ولكني الآن بعد انتهاء كل هذا لا أتذكر الآلم دون لطف الله الغامر!
الزميلة التي صادفتها وأوصلتني للجامعة، أخبرتني طول الطريق عن تفاصيل كثيرة كنت أجهلها عن المستشفيات في المنطقة، أيهم أفضل وما ينبغي فعله! تلك المعلومات التي منحتني فرصة لخطة بسيطة للتصرف إن لم نجد مكانا في "دار الفؤاد"!
ولكننا لفضل الله وجدنا!.. كنا جميعا مفلسين ولكن شركة التأمين الصحي دفعت التكاليف كلها!
الآن أتذكر
المرأة زميلة الغرفة التي أوصتني بتفاصيل كثيرة أهون بها على أمي الليلة الأولى في المستشفى، أذكر منها تغيير مكان الجرس لتطوله يدها ووضع البشكير على الكرسي المجاور لسريرها لأن التكييف بارد جدا بالليل!
الممرضة التي احتضنتني في ممر الدور الثاني عندما أجبتها بالإيجاب كون المرأة في غرفة كذا أمي؟ الحضن الذي هون علي كثيرا لحظات التيه في ممرات العناية المركزة بعدها بدقائق!
المكالمات الهاتفية شبه اليومية من ألمانيا لمصر..
حضن أحمد خارج غرفة أمي بعد معرفتنا لوضعها الطبي!
المكالمة الهاتفية التي أخبرني فيها صديق بالوفاة، والمكالمة التي استطعنا بفضل الله منعها حتى نتمكن من تخفيف الأمر قدر الإمكان على جدتي بدل من تلقيها اتصالا هاتفيا من المستشفى!
الصديقة/الأم التي هاتفتها ليلا اسألها عن معين في تفاصيل الغسل والكفن! ووصيتها في اتصال لاحق أنه أخر بر سأقوم به لأمي!
الصديقة التي طلبت منها الحضور لصلاة الجنازة لعدم تمكني ..
لطف وعناية أصدقائي/زملاء العمل التي امتدت قبل تلك المصيبة وبعدها!
الصبر والثبات الذي غمرنا به الله لحظتها!
ــــــــــــــ
علمتني التجربة المرة أن الله يمنحنا الفرصة لنتم ما أردناه بصدق!
كل ما علي فعله هو السعي بدأب وإخلاص! ولكنني اعرف بعد سنوات من التيه ان معرفة ما نريد ليست دائما بهذا الوضوح!
لحظات التنوير ليست دائما مبهجة ومضيئة.. احيانا تكون الحقيقة صعبة وشديدة الوطأة!

الحمد لله اللطيف                                                                                 

هناك 3 تعليقات:

Muhammad يقول...

:)

ربما لا نقدر - طول الوقت - على التفكير فى الأمر بهذه السماحية؛ أحيانا نسألهم كيف أمكنهم أن يرحلوا ويتركونا على هذا النحو! وكأنهم قد خرقوا الاتفاق! تعلو أصواتنا - نتشاجر - نتوارى فى الزوايا متخاصمين... كل ذلك وارد، أما الموت، فنشعر قبالته بـ "ايه ده! هو احنا فينا من كده؟". لقد ظنناهم خالدين، ثم اتضح لنا - وكان ذلك فاجعا - أنهم ليسوا كذلك

يا موتانا
ذكراكم قوتُ القلب
فى أيامٍ عزّت فيها الأقوات
لا تنسونا حتى نلقاكم

one of ur best pieces, radwa

رحمهم الله

Radwa يقول...

آمين

أنا كتبت الكلام ده من أربع أيام تقريبا وحددت معاد النشر النهارده.. دلوقتي بفكر إني لو كنت سبته درافت ماكنتش هانشره غالبا

اللي ماتكلمتش عنه رغم إنه أصيل جدا في التجربة دي وتجربة موت لعزيز بعدها بسنة ونص إن الموت نفسه رحمة كبيرة!

نهى جمال يقول...

ربنا يرحمها ! :*