الجمعة، 31 أغسطس، 2012

عن الخفة!

قررت ترك ملابسي هنا!
حقائبي ثقيلة ولكن ما يخصني فيها قليل، يخبرني صديقي " تحولت حقيبة سفرك من مستودع أسرار لسحابة بهجة مصغرة".. و لا أصدقه!
أصدق فقط أن حقائبي الثقيلة التي لا تخصني تبعث داخلي إحساسا بالخفة.
ربما سأتمكن من الطفو فوراً بعد منح الأشياء لأصحابها!
سأطفو بمنامتي القطنية و شعري مطلق السراح و لن يجذبني أحدهم للأرض مرة أخرى!
سأطفو فوق هواء القاهرة و لن أنظر للرمادي الذي يغلفها تحتي..
و ربما أتمكن أيضا بطريقة سحرية و مجهولة من الهرب لخارج جاذبية الأرض.. فلأول مرة لا يرعبني إنعدام الجاذبية.. أره الآن مبهجاَ كندف ثلج ملونة و بالونات و عيون أطفال باسمة!
و ربما يكون التخلص من المتاع هو النتيجة للتخلص من أحمال أخرى معنوية.. ربما هو نتيجة لقراري بالتوقف عن حمل جثامين الراحلين فوق ظهري!
و ربما سأتوقف قريبا جدا عن بحث الأسباب.. و أكتفي بالاستمتاع بالنتائج!
سأطفو..
بدون أحمال..
بدون مسئوليات..
بدون مشاعر تستنزفني و لا يستحقها أحد!
 

الاثنين، 27 أغسطس، 2012

بيني.. و بينك

وحدي أنا عالم مزدحم، العالم كله يشتاق لمعرفة تلك التفاصيل التي تعبق حضوري، وتجعله يفيض إليهم من الأركان ..
إليك مثلاً ..
هذا السرير .. لم يكن كذلك من البداية، تقوَّس ليحتويني، ولم يتذمر ..
هذا الكوب .. الذي طالما بللته شفتيَّ وأعرضت عنه يداي، استجاب لرغبتي في البقاء .. طالما سقط، ولكنه لم يتكسَّر ..
هذا القميص .. يحب ملمس جلدي داخله، ويرق له ..
هذا الحذاء وتلك الكتب ..
الطعام، الأواني، مسحوق الغسيل، كريم البشرة، معجون الأسنان، مرآتي الجميلة ..

مقعدي الوثير ..
هذا الجهاز الذي ضم كل الأحاديث، كل العبارات، كل البذاءات الشتائم .. ولم يفشِ سرًا ..

أتعرف يا صديقي..
أنا أيضا أحتفي بوحدتي سراً. أعشق التفاصيل الوحيدة.. فنجان قهوتي وحيد ليس له إخوة أو أبناء عمومة و لا طبق صغير يؤنسه.. هو هناك دائما بجوار كنكة تصب القهوة الساخنة الشهية مرتين يومياً.. ينتظرني بلا ملل أو شكوى..
و شباك غرفتي كذلك.. ينتظر طلتي الليلية على النجوم.. و يحفظ لي بعضا من أنفاس زهور الياسمين.. و الغريب في الأمر أنه لا يغار أبدا من باب الشرفة
البوابة الرسمية لأشعة الشمس عصراً.. تراقبني جيدا و تعرف أنني وقتها أنشغل بكتبي و لا ألتفت للإضاءة البرتقالية التي تلون الغرفة!

أما مرآتي فهي قنوع.. ترد لي إبتساماتي الصباحية و لا يعكر صفو ما بيننا شيء!

لن أفش سر مكتبتي.. سأكتفي بالإشارة لأمانتها المدهشة و رعايتها الدائمة للصور التي تجمع أحبائي و خطاباتهم -و طبعا- دفاتر يومياتي التي تعرف كيف تخفيها عن عيون المتلصصين.


نص مشترك مع إبراهيم عادل 

الأحد، 12 أغسطس، 2012

سؤال

الأمر يشبه الفقد..
سقوط أجزاء من جسدك أثناء انشغالك بالرحيل..
كلعبة من طين تسربت من الفرن قبل تمام الطهي.. 
تتقشر الطبقة الخارجية أولاً
تليها أطراف الأصابع و خصلات شعرك..

الأمر يشبه الرحيل..
ننسى أو نتناسى أن كل شيء مؤقت
فنبعثر أشياءنا المحببة في الجوار
عسانا نستعيد الشعور بالوطن.. من جديد
ثم نسهو عن جمعها
في الحقائب المتخمة بالذكريات

الأمر يشبه الإنسلاخ مما ظننته أنت
تقف تائها وسط طريق لا يشغله سواك
عبثا تحاول تذكر أسبابك
كل البدايات مبتورة داخل عقلك
و لا خيط يوصل للحظة الراهنة

حقيبتي فارغة يا صديق
إلا من قصاصة ورق
آمينة على ذرات الجرافيت
طوال عشرين عاما

"طيب و أنا فين؟"

...

عزيزتي غادة
لا شيء يحدث هنا تقريباً..
مر إسبوعان و لا يحدث جديد.. مضت أربعة أيام دون أن أغادر غرفتي.. و توقفت أخيرا عن البكاء..
يبدو الأمر استنزافا فائقا للوقت!
هناك تلك الصورة الذهنية عن المشي على الصراط.. كم أبدو هكذا الآن.. كلما خطوت خطوتين طالتني ألسنة اللهب.. فأتوقف حتى استجمع طاقتي و أخطو فتطولني ألسنة اللهب و هكذا..
امرأة سليطة اللسان داخلي تقودني هذه الأيام على الأرض البعيدة الغريبة.. لا تتوانى عن الدفاع عني و لا تلتفت للألم.. و كأني عبرت المحيط لأعيد أكتشاف يتمي مرة أخرى.. لأقف في مواجهته وحيدة عليّ أحسن التصرف هذه المرة.

أما الجانب الأخر..
أنني لا أمتلك كلاما يقال.. لا أعرف كيف أكون حاضرة بجوارك. خجلة جدا من توقيت هذا السفر الذي يعجزني عن إحتضانك.. خجلة من فتح باب الحديث، فكل المواضيع تبدو صغيرة و تافهة.. الحياة برمتها تبدو بمنتهى التفاهة و العبث..
أنا حتى لا استطيع طلب السماح منك مادمت أعجز عن مسامحة نفسي.

رضوى

الثلاثاء، 7 أغسطس، 2012

بناء على طلب صديق البرنامج

عزيزي إبراهيم
الأيام هنا لا طعم لها.. تقريبا.
الصيام يسحبني لأماكن شديدة الظلمة داخلي! فأتذكر أصدقائي الراحلين ..
أنا الأن في مرحلة الأسئلة -التي لا أعرف إن كانت ستنتهي يوما- اعيد طرح اسئلتي بخصوص كل شيء.. تفاصيل الحياة الصغيرة اليومية و الاختيارات المصيرية أيضاً..
لم تكن لدي أي توقعات.. فقط كنت آمل في القليل من الإنبهار و لم أجده..

لا تمر ساعة دون أن أذكر أبي..
أوتعلم! لقد أصبحت ابنته المدللة بعيدة جدا عني.. غائبة تحت ركام الذكريات المؤلمة و غبار الحكايات المخزنة لأجل غير مسمي التي اهترأت في إنتظاره!
أرغب في كتابة رسالة اعتذار طويلة جدا إليه.. لن تشمل أي مبررات فأي مبرر هذا الذي يصمد  في مواجهة أب فقدت ابنته؟ سأخبره أنها ضاعت مني في زحام الحياة و أنني أقدر غضبه الشديد و أعترف بمسئوليتي الكاملة و استعدادي التام لتحمل العواقب!
سأقول أنني بدافع المسئولية تنازلت عنها لأنها أقل الخسارات..
سأقول أيضا أنني أضطررت للرحيل.. فعذرا إن عاد يوما و لم يجد أيا من حبيبته أو طفلته الصغيرة.. فواحدة إنتظرته حتى نهاية عمرها و الأخرى ضاعت و لم يبق سوى مسخ يحمل مزيج من ملامح الإثنتين ضاقت عليه الحياة دونهما وسط كل هذا العبث فاضطر للرحيل!
أرغب في كتابة رسالة طويلة إليه يا صديقي و لكنني أعرف جيدا أنا لا أملك الشجاعة لأفعل! سأكتفي إذن بإشارات واضحة أتركها دائما خلفي.. فربما تتبع خطاي أحد!

الحياة هنا رتيبة كما أخبرتك..
وحدها السماء رائعة.. و الأرجوحة في الساحة القريبة أيضاَ
أتسلل إليها كلما استطعت و استعيد قدراتي القديمة في "التعويم" الذي ادركت مؤخرا أنه مجرد تلاعب في مركز الثقل عبر تغيير توزيع الكتلة.. احم أرجو المعذرة.. تعرف عقلي .. يجيد تعقيد الأشياء اثناء محاولته تفسيرها!!

اتأرجح!!
بالضبط هذا هو حالي هنا..
اتأرجح.. أثناء متابعتي للنجوم ليلاً ! أرفع عيني و اتابع النجوم  أشاطرهم الشعور بالوحدة و روعة الإحتراق بعيداً
اتأرجح!!
و أكتفي بدور الفتاة التي لا تملك حيلة أمام كل ما يحدث على الأرض فتكتفي بمتعة مراقبة السماء مدعية عدم اهتمامها!
اتأرجح!!
و لكن لا شيء يشفيني من الغضب!
أرفع عيني للسماء و أخطط للهرب..

عزيزي إبراهيم..
أرجو أن تقبل اعتذاري لطول رسالتي و كآبتها.. فلنأمل في غد يحمل جديد مبهج قليلاً..

تحياتي
رضوى


الجمعة، 3 أغسطس، 2012

انقطاعات .. موت

تخبرني أنها تشم رائحة الموت و هذا مرعب!
لأول مرة أرد بهدوء: لماذا الموت مرعب هكذا؟!
بعد فترة من الصمت يأتيني ردها: الفراق صعب!
***
لا أخبرها أنني أيضا كنت أفكر ف الموت لساعات اليوم..
الآلم يأكل رأسي كعادته و أفكر أن مركز الآلام في رأسي ملازم لمركز الحياة. لن أتمكن يوما من التخلص من أحدهما دون الأخر..
أحاول تجاهل النبض المستمر و أشغل نفسي بملمس الفراش تحت أصابع قدمي.. أفردهما فأرى الأبيض يغلفهما و لكنني لا أشم رائحة الكافور!!
***
بعدما كسرت الحاجز الشفاف بيني و بين العالم و غادرت بشكل مؤقت.. أعيد أكتشاف أن العالم صغير جدا.. يمكننا التنقل فيه بسلاسة في أقل من دورة واحدة للكوكب حول نفسه!!
خلال فترة لا تتجاوز اليوم يمكننا الوصول للقطب أو الغابات الاستوائية.. خلال مدة غير محتملة من الطول لا نتمكن من الوصول لما نريد..
أبدا.. لن أتمكن من جمع أحبتي حولي.. يمكنني فقط الرحيل بهدوء!
يمكنني الرحيل عدواً لكن هذا لن يطفئ نار الحنين التي تأكلني من الداخل بشره..
***
يبدي إندهاشه دائما من ولعي بالثقوب السوداء.. و عندما أخبره -في كل مرة- أن جاذبيتها غامضة و جميلة يكرر نفس الرد " الموت أيضا غامض و جذاب.. و لا أحد يحبه"
***
سأرحل قريبا و ربما أدمن الترحال فأفارق الحياة وسط الأغراب.. الأبيض مايزال هناك حول جسدي لكنني أعجز عن شم رائحة الكافور.. أتذكر أن لدي خبرة -وحيدة و لا تنسى بالغسل- لكنها لن تنفعني هذه المرة!! يتبدل الأبيض حولي فربما لن يربطه أحد..  سيظل شعري مطلق السراح لن تجدله فتاة فاتني ولادتها وسط إنشغالي بالرحيل!!
***
أول وصولنا لأرض المطار تسألني عن ماهية قرية البضائع.. أدير رأسي تجاه نافذة السيارة المجاورة؛ لأمرر مشهد التوابيت، ثم أشاغل عن الرد بمراقبة مسافرون يرتدون الأبيض استعدادا للقيام برحلة عمرة..
***
لن يضطر أحد لشحن الجثمان.. يمكنهم ببساطة دفني في أي أرض.. لا داعي لكل هذه المعاناة لتوصيلي..
هه لن يذكرني أحد بعد وقت طال أم قصر..
"ربما أحتاج لكتابة وصيتي!!"
لسبب ما أتكاسل في كل مرة، أشعر أنني لا أملك شيئا يستحق التوصية.. -رغم أنني أمتلك حقيقة- لكن الأشياء تصغر في تلك اللحظات..
متاع قليل .. هه
***
تخبرني أن الفراق صعب.. فأتذكر كلامي منذ أشهر أن الفراق وجه من أوجه الحياة.. قاعدة من قواعد اللعبة التي لن نتمكن -و إن تمنينا- من تغييرها..
.
.
الفراق صعب.. و حتمي أيضا
لكن آلام رأسي و غربتي.. ستظل هنا إلى أن تفارقني الحياة.