الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

رد.. متأخر قليلاً

والدي العزيز
سبق و قد كتبت ردا أرسل إليك في مارس 96..
و لا أعلم هل قرأته فعلا أم لا..

و لكنني عندما لمحت طرف خطابك صباح الأمس أثناء بحثي عن بعض الأوراق الهامة الخاصة بالميراث، شعرت أن شيئا ما أحتاج استرجاعه..
ظل الظرف يطل علي من جيب الحقيبة، و عدت سريعا لغرفتي بعد العمل و أغلقت الباب لأقرأه مرة أخرى..

أيامي تحولت لبهجة خاصة، منذ عودتي من كاترين..
قصرت قائمة ما ينبغي عمله لنقطتين اساسيتين فقط. أرغب في الإنتهاء من الأمور المعلقة هنا لأتمكن من الرحيل من مصر سريعا.. لم أعد أحتمال تفاصيل الحياة هنا.. أبحث عن برنامج منحة مناسب، حتى أنني أفكر في واحدة في مؤسسة بجنوب أفريقيا..
دائرة الأصدقاء الظرفاء اتسعت جدا، رزان مثلا لا أظنها تعرف قدر امتناني لزيارتها الأخيرة لي، أتت خصيصا من مكرم عبيد حتى 6 أكتوبر لنجلس سويا أقل من ساعتين و بدأت رحلة العودة. إبراهيم الذي أحادثه هاتفيا قبل شرائي لأي رواية أو ديوان شعر.. و محمد الذي يغمرني مؤخرا بالكتب الجيدة جدا و النادرة أحيانا..
غادة التي تفهمني بمجرد جلوسي بجوارها و استرسالي ف الكلام و رأسي مسندة على الحائط. ريهام صاحبة أجمل ضحكة في العالم.. و رضوى و ابنها تقي و ذكريات احدى عشر عاما بكل أحداثها المبهجة و المؤلمة أيضا..
أحمد صاحب أطيب ابتسامة.. يمتلك تلك النظرة الحانية التي تربت الآلم دون أن ينطق..
نشوى صديقتي الصغيرة -و ابنتي احيانا- بحماسها الشبابي المنفلت..
ياه.. كثيرون هؤلاء الذين يلونون أيامي بالفرحة.. كم رغبت أن تكون بيننا هنا لننعم بجلسات سمر طويلة معك!

منذ ليلتين حضرت أوبرا عايدة.. لم تكن أول مرة لي داخل مسرح الأوبرا الكبير لكنها مختلفة بالتأكيد..
في الاستراحات القصيرة جدا بين المشاهد أفكر في الخديوي المولع بالفاتنات و الجميلة فيرجينا، أفكر في أزياء العرض مبهرجة باللون الذهبي..
أفكر في قسوة البشر، و الدماء المهدرة في الحروب لأسباب تنتمي في الأصل للطمع البشري.. أفكر في موسيقى السلام الوطني التي لم تعد تلمس داخلي شيئا..
و أفكر في كل العبث الذي أحياه..
أفكر فيك.. لماذا أهتممت بتعليمي المنطق؟ كنت سأصير مثلهم، أتلفظ التراهات دون أي أحساس بالذنب.. بدلا من سماعي للترهات طول الوقت و غضبي/ألمي من كل هذا..
أصبحت الحياة مثيرة جدا للأعصاب. أشعر أن سلكا كهربيا دائم الإتصال بأعصابي!!
أظنني لو استمر حالي هكذا سأصرخ في الشوارع كالمجاذيب و أطلب من الجميع أن يخرس!

أتعرف!
بالأمس كان الآلم ينبض في رأسي حد الجنون، و قلبي أيضا أنقبض قليلا من الحنين و اللطف في كلماتك!
لكنني استيقظت صباحا ممتلئة بالأمل.. تعرفني أعشق موسيقى تشيكوفسكي استمتعت جدا بالدوران في الشقة على موسيقى فالس الزهور من كسارة البندق..
أفكر في تعلم الرقص!! و لكنني لم استقر بعد على رقصة.. أبحث عن رقصة أؤديها منفردة. السنوات الأخيرة أثبتت أنني وحدي أخف.. و أرغب في استغلال هذا الشعور المبهج بالخفة..

بابا..
رسالتك ذكرتني بعادتي القديمة في سرد الأشياء التي تعلمتها مؤخراً..
اممم.. أحاول تذكر أخر ما تعلمته و لكني لا أجد سوى فراغ!

بابا..
أوحشتني

رضوى
مدينة 6 أكتوبر - 26 سبتمبر 2012


إرثي من خطاب قديم



ابنتي الغالية رضوى
The sky is blue, I love you..
The grass is green and you are every father's dream.
حبيبتي،
أنت لا تعلمين كم توحشينني؛ و لا تدرين كيف أن خطاباتك اللذيذة تؤنس وحدتي، و تنسيني مرارة الغربة.
أرجو أن تستمري في الكتابة إلى بابا، و أرجو أن تكتبي لي كل شيء عن البيت و المدرسة و مي، أكتبي لي عن أحمد و آية و مصطفى و صديقاتك الظريفات..
و أنا أيضا سأكتب لكم بالتفصيل عن حياتي هنا.
و بالمناسبة
كيف حالك في لغة الزولو هي كونجاني؟
Kongani?
و بخير اسكونا
Skona
أما مع السلامة فهي سالا كاثلا
Sala Kahle
و الآن حبيبتي رضوى
Sala Kahle


،
بابا
جوهانسبرج في 20 فبراير 1996

الجمعة، 21 سبتمبر 2012

أوضتي

عشرين سنة
حاجات كتير قوي حصلت في العشرين سنة دول، بعتبر نفسي شخص بيجيد نسج ارتباطه بالمكان..
مش ناسية أول مرة طليت عليها..
في أول لمحة كان الشباك الطويل اللي ف الركن هو اللي فتني..
بعده الأرضية الخشب و طبقة التراب العظيمة اللي عليها و أثر الكوتشي بتاع بابا من الباب للشباك و أثر تاني لباب البلكونة.
**
أول صيف كنا بنلعب راكت في الطرقة.. أيون في الطرقة بابا عند أوضة النوم الرئيسية مع المضرب و انا أو أختي عند باب المطبخ مع المضرب التاني :D
الأوضة دي طول عشرين سنة هي مكاني ف الدنيا..
صحيح بسيبها أوقات لكن برجع بسرعة احتمي فيها و أقفل بابها عليا
الشباك زمان كان طويل لحد قرب الأرض بعشرة سم مثلا و كنت موهومة بيه .. بفكرة إني أفتح الشباك و أشوف مساحة أوسع من العالم و أخرج رجلي بين عواميد الألوميتال و أحركهم و أنا بتفرج ع الدنيا.. الدنيا دي ساعتها ماكانش فيها أي حاجة. شارع فاضي مش ماشي فيه حد. و شجر كتير و ورد و سما و سحاب أبيض!
في مرحلة بعد كده ماما قررت تقصر الشباك ده و يبقى عندنا شباك عادي زي بقيت الناس قصير كده م اللي بيقف فيه الكبار و يسندوا عليه بكوعهم..
في الأول كانت أوضتنا كلنا.. و كنت لما أحب أقعد لواحدي بستخبى ف الدولاب أو تحت ترابيزة السفرة..
أخر سبع سنين بقت أوضتي لواحدي..
لو فيه طريقة إحصائية نحدد بيها أكتر مكان بنقضي فيه وقت، هاتبقى الأوضة دي..

الشباك
ما لاحظتش إنه شرقي غير من أقل من سنة.. قبل كده كنت بحب خطوط النور اللي بتترسم ع السقف من أول ما الدنيا تليل لحد الصبح.. بسبب الإضاءة في الممر اللي بيطل عليه!
خطوط النور؛ هي المعادل عندي لحواديت بابا قبل النوم و للوحوش اللي كنت بخاف منها و بتطاردني ف كل مكان ف البيت و شوارع الحي!
فاكرة مثلا الراجل أبو مناخير كبيرة اللي كنت بخاف أدخل أوضة بابا بسببه و اتضح ف الأخر إنه ظل كراتين الكتب اللي محطوطة بشكل عشوائي ف الطرقة!!
الحواديت و الوحوش أختفوا تدريجيا
و الشباك ده اتحول لشباك تاني بيطل ع القمر و بينور مع الشروق.. و ده طبعا حصل علشان توقفت عن قفله إلا مضطرة و التحكم في الإضاءة عن طريق ستارة بلاك أوت

دلوقتي بعد عشرين سنة
كتبي بقت في أي مكان عيني تيجي عليه
و ألواني كمان
و ورق بوست ات صغنن متلون
و مبخرة
و شمعدان قزاز ملون
و سجادتي الصوف الملونة الصغننة -حطيتها بالورب علشان اصلي عليها كمان-

أخيرا
بعد ما بقى كل حاجة فيها شبهي -تقريبا-
بقيت متأكده إن أيامي الجاية فيها معدودة
و إن الدنيا واسعة قوي
و نفسي ألفها كلها
و إن الموطن.. جوانا نقدر نطبع أي مكان احنا فيه بملامحه

كل سنة و أنا طيبة
:)

الأحد، 16 سبتمبر 2012

كاترين.. الطهر

الشمس الشارقة خلف زجاجات المياة المعدنية
المشهد من استراحة سالم


وادي الفريع
"مدرسة الجِمَّال"

 غير راغبة في الكلام.. أخبر صديقي قبلها أنني أرغب في مصاحبة من يقدر الصمت.. فيبتسم و يطمئنني..
تلك اللحظة التي وضعت حقيبة ظهري في صندوق السيارة النص نقل و قفزت داخله تغير داخلي شيء ما.. باب ما كان ضائعا داخل روحي وجدته أمامي فجأة..
بالنسبة لفتاة لم تمارس أي نشاط بدني  خلال أخر شهرين كان الطريق من وادي الراحة لوادي الفريع شاقاَ، ساعة و نصف تقريبا من المشي على أرض غير ممهدة - جزء منها سلسلة جبلية- ..
المخيم بدوي لا يمت للمدنية التي نعرفها بصلة لكن صلة وثيقة تربطة بالإنسان الطبيعة و طبعا النجوم ..
السماء؛ تلك السكينة التي أبعدت الغبار عن الباب المنسي
الصلاة تحتها منزوعة الوساوس مغمورة بالإطمئنان. أسلم فتملأني راحة أرفع على أثرها يداي و أدعو لإحبائي
..
يسألني عن اسمي.. و يكرره كأنه يتذوقه.. يبتسم ثم يقول
"حلو.. اسمك حلو"
فأختبر حلاوة جديدة تصاحب سماعي لاسمي و أتذكر صديقتي عندما أخبرتني
"رضوى؛ صمود الجبل و جمال العسل و المياة الصافية"
ابتسم بعدها كلما ناداني  أحدهم!
..

الوادي المقدس طوى

ماذا يحدث للروح عندما تخط القدم أرضا مقدسة؟
الأمر أشبه بالاستغفار.. أدران ما علقت بروحي تتساقط مع كل خطوة. المشي/الصعود مرهق للغاية. تزداد صعوبة رفع قدمي كلما تقدمنا.
أنا؛ أول من تطلب استراحة قصيرة.
نتوقف و يشير صديقي لكهف الغولة، و يخبرنا بالحكاية..
كهف، تصدر حركة الرياح داخله صوتا قويا يتردد صداه في الوادي المحاط بسلاسل الجبال. فيستغله الأباء في تحذير أطفالهم من الغولة التي تسكن الكهف و تبحث عن ضحاياها من الأطفال الأشقياء..

صخرة موسى.. الحجر الذي تقول عنه الحكايات المتوارثة أنه الذي
 "انفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً"
 الألم و الإنهاك يتمكنان مني فأعجز عن متابعة الحوار و أجلس بالقرب من المجموعة التي انهمكت في مناقشة لا اتذكرها لأنني غفوت!!
نستكمل المسير/الصعود..
بعد الاستراحة الأولى أغفو في كل وقفاتنا للراحة فينفلت مني حبل الكلام، و لا أتذكر سوى صوت الشيخ العطواني ينشد البردة..

جبل موسى
طريق الخلاص

عند وصولنا لنقطة تلاقي طريق الجِمال بطريق الرهبان كان الإنهاك قد استهلكني تماما و دوار خفيف يلعب برأسي.. فأجلس/ أغفو في الإستراحة و أطلب من المجموعة التقدم في الصعود دوني..
سبق و توقفت في هذه النقطة على الطريق قبل عامين و لم استكمل الصعود لإنهاكي النفسي و الجسدي حينها..
أراقب الشروق و أتحمس للإنضمام لمجموعة من الشباب و استكمل معهم الصعود، سالم صاحب الإستراحة يوصي المهندس أحمد قائد المجموعة
"خلي بالك عليها يا باشمهندس و ماتسيبهاش علشان تعبانة"
هذا طبعا بعدما فشلت محاولاته في إثنائي..
أصعد السلالم الحجرية التي عبد بها الرهبان الطريق للقمة، أتوقف لالتقط أنفاسي كل فترة قصيرة جدا.. في المنصف أطلب من المهندس و المجموعة عدم إنتظاري بعد وقفة الراحة القادمة.. أختار لنفسي مكانا آمنا من الجبل بجوار السلالم .. أسند رأسي و أسقط في النوم !
استيقظ بعد أقل من نصف ساعة و كل ما يشغلني
"لو لم أتمكن من الصعود للقمة، سأعجز عن إنهاء الكثير من الأشياء المعلقة في حياتي"
أنظر للطريق لأعلى و لا أرى نهايته.. لكني استجمع قواي مرة أخرى و أنهض..
أعيد اكتشاف رضوى، لأول مرة أختبر عدم قدرتي/رغبتي في المنافسة. "أنا نفسي قصير" هذا ما أدركه و ما يعيده علي أخي بعد عودتي كتفسير فزيائي للدوار الذي إنتابني طوال طريق الصعود!
"أنا نفسي قصير، و مش بعرف أنهي أي عمل غير بإيقاعي الشخصي" 
هكذا أردد كلما توقفت لألتقط أنفاسي!
في الثلث الأخير من السبعمئة و خمسين درجة استوعب تماما كلام صديقي عن "طريق الخلاص" الذي يجلس في نهايته راهب يهنئ الصاعدين بالوصول..
أفكر..
"محتاجة الخلاص.. الباب اللي كان مستخبي جوه روحي و ظهر فجأة أول ما وصلت أرض كاترين"
أنهج.. تؤلمني ركبتاي.. أتوقف.. ألتقط صور.. استجمع قواي.. استكمل الصعود.. أنهج.. تؤلمني.. و هكذا

أخيراً الوصول.. لم أجد راهبا في نهاية الطريق يهنئني بالخلاص.. و لكني وجدت مفتاح الباب أثناء صعودي و عبرته بأول خطوة لي على القمة..
عبرته و أغلقته خلفي جيداً.

الأحد، 2 سبتمبر 2012

حدث.. بالفعل




كان ساعدي الأيمن قد تحلل..
عندما كشفته في العيادة
و لم يكن لدي مبررا لأغفر لنفسي ما حدث


كان ساعدي قد تحلل تماما،
و طبيبي غادره النطق
و اللوم غطى ملامحه


كان ساعدي الأيمن قد تحلل تماما..
و لكني رفضت استبداله بآخر صناعي
.
.
و مازلت عاجزة عن تقبل الأمر