الخميس، 10 مايو، 2012

لا شيء يعجبني!

لا شيءَ يُعْجبُني
يقول مسافرٌ في الباصِ – لا الراديو
ولا صُحُفُ الصباح , ولا القلاعُ على التلال.
أُريد أن أبكي
يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ,
وابْكِ وحدك ما استطعتَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكره الطريق الدائري تماما ككرهي للعري!
أكره شقه لقلب العاصمة / فضحه لما يملأ أحشاؤها. هذا القبح المكثف في مكعبات خرسانية. و الدخان الأسود دائم التصاعد من أكوام المخلفات في الشوارع شديدة الضيق شديدة الطول..

و لكني أكره الغربة أكثر.
أكره غربتي في بلدي. أكره سفري الدائم و إنعزالي عن موطني. نظرات الإندهاش التي تأتيني ردا على استنكاري المستمر! أكره "المساجد" المبنية بنفس التقنية على طول الطريق. خرسانة رمادية و طوب أحمر.
و الضيق.. ضيق رمادي يبتلع السماء و يبتلعني. و ككل مرة ينهش صدري أولاَ، في نفس الموضع.
***
كان يمكن أن أكون أكثر تعايشاً، كان يمكن ألا أنزعج من الرمادي و السواد. كان يمكن ألا تبحث عيني عن الجمال بكل هذا الشوق، فالأمر كله تربية..
"تربية العين"
كنت بصحبة أمي في طريقنا لزيارة صديقتها. كنت طفلة مشاكسة و كثيرة الحركة و المزاح. 
بصوتي المرتفع تسألت "ماما هو ده سجن!!"
لحظتها تلفتت أمي بنظرات معتذرة لركاب الميكروباص، ثم حذرتني بصوت غاضب: "عيب كده يا رضوى"
ثم أكملت "دي شقق زي اللي احنا عايشين فيها بالضبط"!!!
لم تكن مماثلة لشقتنا و لا أفهم كيف لم تدرك أمي هذا من النظرة الأولى، كانت مباني مصمته دون نوافذ و إن وجد كانت ضيقة جدا. كنت أظن "يمكنني صنع عمارات سكنية أكثر جمالا باستخدام الميكانو"
فقط .. لم أفهم! ففي هذا السن لم أكن رأيت السجون إلا في الأفلام، كان السجن مجرد تصور ذهني -و مايزال-  يكفي أن يحرم السجين فيه من النور و السماء الواسعة، و يلتزم الملابس ذات الألوان الكئيبة. فكيف يكون للحرية معنا إذن دون اتساع السماء..

ولدت في غرفة مشمسة يدخلها الهواء!! -و لم تكن هذه معجزة مثلما هي الأن، كان أمراً عادياً جداً- كنا دائمي الشكوى من حرماننا الإنطلاق و اللعب في شوارع إمبابة.. و لكني كنت ألعب مع ابن جيراننا في شرفة نشكو من حدة الشمس فيها!

عُزِلتُ مريضة في غرفة بشقة جدتي، و يوميا كنت ألعب مع أميرات ملونات صغيرات يأتين صباحاً و يألفن الأغنيات.

و الآن أسكن غرفة بنافذة واحدة تعبرها أشعة الشمس لتوقظني، و أراقب منها القمر في ليالي إكتماله!

نعم أعترف أنا مرفهة!!
لا يمكنني العيش دون الشمس و السماء..
أنا مرفهة..
لا استطيع التعايش مع كل هذا السواد..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا . أنا
مثلهم لا شيء يعجبني ’ ولكني تعبتُ
من السِّفَرْ.



هناك تعليق واحد:

Radwa Tarek.. يقول...

نعم أعترف أنا مرفهة!!
لا يمكنني العيش دون الشمس و السماء..
أنا مرفهة..
لا استطيع التعايش مع كل هذا السواد..


انا منبهرة...ومعجبة للنخاع :)