الثلاثاء، 29 مايو 2012

علي .. 1

أمسية جمعتنا في شقة صديقة مشتركة، قمت من مكاني لأتلقى مكالمة هاتفية و عندما عدت كانت تحكي:


كنت رئيسة عصابة صغيرة، في المدرسة لم يكن أحدهم يجروء على معارضتي، "نادية" كانت ذراعي الأيمن، فتاة قصيرة تمتاز بلؤم نادر الوجود في طفلة. و كان هو أكثر الطلبة إثارة لغيرتي..


"سالي" و "محمود" كانا تؤمين شديدي القرب، وجهين أبيضين مملتئين و وجنات وردية، كان محمود شديد التعلق بأخته، يهرع للدفاع عنها مع أي بادرة عدوان.
خطأ غير مقصود -غالبا- لكنه كان جسيما من وجهة نظري، فلقد سمحت سالي لنفسها بالجلوس في مكاني بجوار بوابة المدرسة، المكان الظليل الوحيد في إنتظار الباص!
رغم الطفولة أدركت جيدا لو تسامحت مع تجاوزها سأفقد كثيراً من شعبيتي و سطوتي، لهذا رددتها بعنف مناسب، جذبتها من ضفيرتها الذهبية و صوتي عالي جدا ليسمعني جميع الأطفال في المدرسة، بسرعة البرق كان محمود يحاول دفع أذاي عن أخته و لكني بمهارة رئيسة عصابة صغيرة ضربت الإثنين معاً...
بإختصار شديد
"مسحت بيهم بلاط المدرسة"


قاطعتها همهماتنا
"مش ممكن، إنتي يا شيري!"
و لكنها أكملت:
علي..
لم يكن مثل الأخرين، رأسه دائما مرفوعة، صوته حازم يعرف جيدا ما يريد، مركزه الأول في كل الإمتحانات، ملابسه دائما نظيفة و مهندمة، خلوق، و المرتب، و الأهم أنه لا يقبل الإنصياع لأوامري أنا -المعلمة- ، كان لا يخشى بطشي، يعاملني بندية تثير استفزازي، يجلس معي لنتسامر، يتكلم فاسكت و يسكت الجميع لنسمعه بإنبهار..
علي !!
كان يخلق مواضع أخرى للتنافس، مواضع تختلف عن التفوق الدراسي و القوة العضلية و السيطرة، كان ينافسني على قراءة ورد قرآني، التعاطف مع الضعيف،  الرفق بقطط الشوارع الضالة و إطعامها!!
كان إنساناً!
هزم بداخله الشر البدائي في نفوس الأطفال!
...
صمتت قليلا و تكرمشت ملامح وجهها من الآلم..
لم أكن أقصد..
أعني لم أتعمد الأمر..
لم أتعمد إهانته أمام الجميع بتلك الطريقة المخزية..
نادية كانت السبب، تلك الشيطانة الصغيرة..


يوم الإمتحان قبل الأخير. الجميع في إنتظار الأجازة الصيفية، في مجلسي واتتني رغبة في الكلام معه، فأرسلت نادية في طلبه، حددت مهمتها مسبقا فليترك ما في يده و يأتي!


تأخرت قليلا و عادت لتخبرني "بيقول لو عايزاني ف حاجة تيجي هي أنا مش فاضي دلوقتي"!!


الغضب أفقدني إتزاني و صورة كل شيء أهتزت أمام عيني .. 
قفزت من مكاني و اتجهت لفرندا كبيرة تطل على ملعب المدرسة، ناديته بأعلى صوتي الغاضب ..
علــــــــــــــــي .. علـــــــــــــي
سكن كل شيء/ شخص ماعدانا..
و عندما وقف أمام الفرندا تماما..
لم أقل أي شيء..
بصقت عليه..
و عدت لمكاني بكبرياء زائف.
ــــــــــــــــ
كل ما حكته بعد هذا تفاصيل، الدمي التي اعتادت تسميتها باسمه و معاملتها برفق، الأحساس المتعاظم بالذنب الذي سيطر عليها فحرمها من كل متعة عابرة..
الكوابيس، و قلة النوم..
كل شيء..
كان مجرد تفاصيل!!

هناك تعليقان (2):

حنان الشافعي يقول...

متابعاكي من زمان
انتي بتكتبي حلو قوي كده ازاس

P A S H A يقول...

جميل جداً بجد
تسلمي