الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2011

رسالة أخرى لن تصل إليه



والدي العزيز

أنا لا أعرف تحديدا كيف بدأ الأمر، للحقيقة وجوه متعددة كما تعلم، و أعذرني فلن أقص عليك أي أخبار موثقة من وسائل الإعلام، فقط سأخبرك ما تعرفه ابنتك، ما تشعر به..
قد ابدأ حديثي بيوم كنيسة القديسين، أنا لا أعرف كيف يشعر الإنسان داخل الكنيسة -لم أدخل واحدة في حياتي- و لكني أعرف جيدا ماذا يعني أن أصلي، أو يصلي غيري، و اعرف أيضا الشعور الذي يملأني و أنا جالسة في سلام مع الكون أتأمل في براح جامع عمرو أو في رواق من أروقة الأزهر، أعرفه جيداً.

و لا يمكنني تخيّل إنسان مشوّه بما يكفي لنزع هذه السكينة من إخوته في الإنسانية فما بالك بشركائه في الوطن !!
كان أحمد- أبو مارية - يقول دائما "دول هايضربونا و إحنا بنصلي يا رضوى" .. للدلالة على وحشية و بشاعة أمر ما..
بعد يوم القديسين كان أول ما قلت لأحمد "ضربونا و إحنا بنصلي يا أحمد"
و لم يمكنني قول المزيد..
أخبرتك أنني أعرف السلام الذي يملأ الإنسان و هو يصلي، هذا السلام الذي اغتصب و تلوث بالدماء..
هذا السلام الذي ملأ قلوب المصلين و الذي استشعرته من صوت صلاتهم في تسجيل الفيديو الأشهر على اليوتيوب وقتها..
شيءٌ ما إنتزع من أماني لحظتها
شيءٌ ربما لن يعود!!

أو ربما ينبغي علي العودة بذاكرتي قليلاً ، لما حدث في العمرانية منذ ما يقرب من عام.
حتى الآن لا أعرف ما حدث..
فقط أذكر ما فكرت به عندما وصلني صوت مارية على الهاتف تخبرني:" أصلهم يا رودي عايزين يهدوا الكنسية و الناس بتتخانق و الحكومة جت" - الطفلة الصغيرة تتحدث عن الشرطة -
أول ما طرأ لعقلي أن البلد ستدخل في دوامة من الأحداث الطائفية و سيقتل فيها الكثيرون بدون ذنب، و قد يطول الأذى مارية أيضا لاسمها الذي و لأول مرة أشعر أنهم -والديها- تسرعوا و حملوها مسئوليته..
ثم أتخيل امرأة أخرى مسيحية-بدلا من أختي المسلمة- أم لطفلة اسمها مارية تُؤذى لمجرد اسمها فيعتصر قلبي الألم. و أوبخني لأنني أصبحت أفكر بشكل طائفي.
 .. 
بدأ الأمر بالنسبة إليَّ في صباح التاسع من أكتوبر.

استيقظت متأخرا و ركبت تاكسي للجامعة، كانت رائحة السيارة غريبة بعض الشيء أظنها رائحة خمر و لكني غير متأكده. لم يكن معي كتاب و لكني وضعت مصحفي في الحقيبة قبل خروجي من المنزل بدقيقة..
كان الطريق طويلا جدا و فتحت مصحفي لاقرأ..

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ۞30۞ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ۞31۞ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ۞32۞
ـــــــــــــــــــ
فصلت
وقفت كالعادة عند هذه الآية و دعوت لأمي، فقد كانت الآيات الوحيدة المخطط تحتها بقلم رصاص في مصحفها الذي استوليت عليه بعد وفاتها.

بعد يوم عمل ليس بالقصير تحركنا أنا و زميلين للغورية، تلبيةً لدعوة محمود كي نشاهد الغروب من مئذنة جامع السلطان الغوري..
فلأعترف إذنً : لياقتي البدنية في أسوأ حال
أول ما وقعت عليه عيوني من الشرفة كان مئذنة الأزهر ذات الرأسين، و تذكرتك في الحال، وأيادينا تمسك بالورقة فئة الخمسين قرش و أنت تشير للجامع المطبوع عليها و تخبرني قصة بناء الأزهر، و سبب تسميته
و حين رأيت المئذنة ذات الرأس الناقص بكيت، أدركت أني كبيرة بما يكفي و أن رجلاً -هو أنت- كان ينبغى أن يصعد هنا مع طفلة علمها الكثير عن مآذن الجوامع و تاريخها.. و لكنه غير موجود.

أدركت أن أمي ماتت و أنا كبيرة بما يكفي لأصعد هنا وحدي ، بصحبة أصدقائي.

أدركت أن المئذنة رأسها ناقص و أن علي تقبلها ككل شيء ناقص في حياتي.

أدركت أن ما أراه و أعيشه هو الحقيقة و ليس حلما طويلا مزعجا و أنني لن يمكنني الاستيقاظ أبدا لأني .. مستيقظة!!

ثم كانت صلاة المغرب، كان الإمام يتلو سورة فصلت، نفس الآيات التي طالعتها في الصباح، فترحمت على أمي.
..
عندما اشتريت أعواد البخور برائحة العنبر و المسك حكيت لصديقاتي عن المسابح التي اشترتها امي من تونس و كانت تعطر ايدينا بالعنبر كلما لمسناها.
و عندما جلست في صحن جامع الأشرف برسباي و رفعت رأسي للسماء و أنا اسمع لشرح محمود عن النجوم التي نشاهدها و المجموعات النجمية كان الأمر أشبه بالحلم.
..
بدأ الأمر يتحول لكابوس في اللحظة التي قُطع انسجامي في متجر الأنتيكات، بصوت التلفزيون يعرض ما يحدث أمام ماسبيرو..

والدي العزيز
لا تعد رجاءً فالبلد تشتعل، كغاز يطفو فوق سطح مستنقع

و أنا تائهة و خائفة

هناك تعليق واحد:

radwa osama يقول...

تدوينتك صالحتنى على الدنيا الصبح
كنت موجوعه قوى وانا قاعده اقرا شهادة لبنى درويش عن الاحداث فى ماسبيرو ونفسى اقرا حاجه ناعمة كده
شكرا ليكى .