الجمعة، 30 سبتمبر 2011

سفر




أفضل الأنتظار في بهو المستشفى الأنيق حتى موعد طبيبي. 
معي كل ما أحتاجة، موبايلي بذاكرة ممتلئة بأغاني المفضلة، و كتاب في فيزياء المواد المكثفة و رواية و مجموعة أقلام ملونة و نوتة صغيرة للرسم.كانت السماعات في أذني و  فيروز تصدح "غيبي و لا تغيبي يا نجمة كفر غار" عندما دخلت، شابة في الثلاثين ترافق عجوزان، الرجل يبدو أكبر قليلا و يمشي مستندا على عكاز و المرأة تستخدم كرسي متحرك. 
بالطبع أوقفت فيروز في منتصف أغنيتها، و أصاب صدري ضيق شديد منعني عن التنفس بشكل طبيعي.

املأ صدري بجرعات مضاعفة من الهواء و أحاول الأسترخاء. استغفر. ..
أسمع نبضي واتنفس بصعوبة.
أحمد الله، و أذكرني، أخرة مرة كنت هنا مع أمي كانت في حالة أفضل بكثير من هذه العجوز، كانت قد أتمت خمسينها منذ عام و كانت تبتسم كثيرا كلما تلاقت عيوننا، و كانت لا تتوقف عن سؤالي "ها أجيبلك ايه من فرنسا ؟" و كنت مصممة على رد واحد "مش عايزة حاجة من فرنسا يا ماما خليكي معايا ماتسافريش".
أنا أخاف السفر،  يبدو أسوأ كوابيسي..
كان العرب يقولون " في السفر سبع فوائد" و لكني لم أعرف له سوى خاصية وحيدة، أن يعود المسافر شخص غريب عني أو لا يعود أبداً..
أنظر للمرأة المتهالكة على الكرسي المتحرك و أرغب في الأشارة للشابة كي لا تفوت فرصه في ضمها، ستحتاج هذا الرصيد في يوم ما، كما أحتاجه أنا طوال الوقت.أتذكر كل شيء و يستعصى علي تذكر ضمة أخذتها بسيف الحياء في طرقة الشقة أو أمام الموقد.الرجل، يسند ذقنه على يمينه الممسكه بالعصاة الطبية، أتخيله يناديها كثيراً لأنه يحتاج مساعدتها في النزول عن السرير المرتفع، أو لاحتياجه كوب من الماء، أو حتى طلبا للونس. 
أحمد الله، مازلت أتذكره في خيالي في الأربعين من عمره لم تبيض في رأسه سوى شعرة واحدة، و عينيه العسليتين تلمعان أثر إنعكاس شعاع الشمس القادم من شباك غرفة المكتب. 
في محاولة لإراقة الوقت، أخرج النوتة و ابدأ في التخطيط بقلم أحمر، أرسم شبكة من الخطوط الغير منتظمة، تملأ الصفحة بسرعة مدهشة، فأفكر في السرطان، كيف يتكاثر بسرعة مجنونة، يجند الخلايا لتزداد الرقعة المصابة، احاول تخيل المغريات التي تقدمها الخلايا المصابة للخلايا السليمة لتستسلم بهذه السرعة فلا أجد سببا منطقي سوى الرغبة الدفينة في التخلص من الحياة،، خلايانا ذات ميول إنتحارية فيما يبدو. طالما ظننت الخلايا السرطانية كالجواسيس في بلد على شفا الإنهيار. 
الرجل يتململ، تقوم الشابة بمساعدته في تغيير وضعية رجليه. 
كم يا ترى سنه، رأسه أبيض تماماً، و عيناه فقدتا جزئا من بريقهما و تحول لونهما للرمادي. 
لن أحظى بفرصة مشابهة أبدا، توقف كل شيء و هو بكامل صحته، يساعدني لحظة احتياجي للمساعدة و يرشدني حين أعجز عن التصرف. لا أدري لماذا تصر صديقتي على تذكيري " لو بس فيه حد يقولي أعمل ايه!! هاعمله على طول"، لم يعلمني أحد كيف أكبر، فقط كبرت.. 
أفاجئ بنفسي - أحياناً- تائهة عاجزة عن التصرف كطفلة منسية تركها الجميع أمام باب المدرسة.. لا تتذكر عنوان منزلها و لا رقم تليفون والدها، فقط تذكر أن الشيش لونه أصفر و أنه يترك أثرا ساحرا على سقف غرفتها عندما يتخلله الضوء القادم من مصباح الشارع و والدها يحكي لها عن فتاة صغيرة أسيرة عند الغول تطهو طعامه و تهدهده حتى ينام.. 
العجوز على الكرسي المتحرك تفلت يدها ملف للأشعة، تنحني الشابة على الأرض و تلملم الأوراق الرمادية .. 
يرن هاتفي منبها لموعد الطبيب.. 
أجمع أشيائي و أتحرك في إتجاه العيادات الخارجية..
الصورة من هنا

هناك 4 تعليقات:

مها يقول...

انا عرفتك !
انت الكمنجة اللي بتعزفلي ع الجرح

:‏'‏)

إبـراهيم ... معـايــا يقول...

جميلة ... بحق

:)

David Abse يقول...

Glad you like my painting
مسرورة لانك مثل وحتي

رضوى عادل شديد يقول...

متعبة أوى البوستات اللى بالطريقة دى. بصراحة دمعت