الثلاثاء، 24 مايو، 2011

إن هذا لغريب

في هذه الأثناء كان والدي يحتضر. خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته فقد النطق شيئا فشيئا. بادئ الأمر كانت نتقصه بعض الكلمات، أو ظل يقول كلمات أخرى بدلا منها. و في الحال يبدأ بالضحك. و لكن في النهاية، لم يعد يقدر أن يلفظ إلا القليل من الكلمات. و في كل مرة كان يحاول أو يوضح فكرته، ينتهي إلى العبارة نفسها، العبارة الأخيرة التي بقيت له: "إن هذا لغريب".

و لبث يقول "إن هذا لغريب" و في عينيه ذهول كبير لكونه يعرف كل شيء و لا يقدر أن يقول شيئا. إذ إن الأشياء حين تفقد أسماءها تختلط بكائن واحد غير متميز لديه. و عندما أروح أكلمه كنت وحدي أستطيع أن أجيء من هذا العالم اللامتناهي، عالم الأشياء المسماة.

على محياه كانت ترتسم في عينيه الزرقاوين الواسعتين حكمة الأمس نفسها. كنت آخذه دائما في نزهة. و نجول دوما حول الهدف نفسه، لأن والدي لم يكن يقوى على الذهاب بعيدا. كان يمشي بخطى صغيرة و ما إن يشعر بالتعب حتى يبدأ جسمه بالأنحناء و يفقد توازنه. كان علينا التوقف دائما حتى يرتاح مسند رأسه إلى الحائط.

خلال هذه النزهات، كنا نتبادل الرأي في الموسيقى. عندما كان والدي يتكلم بشكل طبيعي، كنت أطرح عليه القليل من الأسئلة. و الآن أريد أن أسترجع الوقت الضائع. إذا كنا نتحدث في الموسيقى و لكنها كانت محادثات غريبة بين إنسان لا يعرف شيئا و يعرف عددا كبيرا من الكلمات، و أخر يعلم كل شيء و لا يعرف كلمة واحدة؟

طوال سنوات مرضه العشر، كان والدي يؤلف كتابا ضخما عن سونات بيتهوفن، بدون شك، كان يكتب أفضل قليلا مما كان يتكلم. و لكنه حتى أثناء الكتابة ظل يصعب عليه أكثر فأكثر أن يجد كلماته فيصبح نصا مبهما لأنه يحتوي على كلمات لا وجود لها.

ذات يوم دعاني إلى غرفته. و كان قد وضع على البيانو التنوعات الموسيقية لسوناتة المقطوعة111. قال لي "أنظر" و هو يدلني على التوليفة- لم يعد يستطع العزف على البيانو- ثم ردد " أنظر" و توصل بعد جهد طويل أن يقول: " الأن أعرف!" كان دائما يحاول أن يفسر لي شيئا هاما، و لكن رسالته ظلت تتألف من كلمات غير مفهومة، و كلما رأى أني لا أفهمه، نظر إلى بتعجب و قال:" إن هذا لغريب".

كنت أدرك بالطبع ما كان يريد قوله، لانه كان لا يزال يطرح هذا السؤال على نفسه منذ وقت طويل. كان تغيير اللحن هو الصيعة المفضلة لبيتهوفن في أخر حياته. و قد يخيل إلينا إنها الصيغة الأكثر سطحية، وهي بمثابة عرض بسيط لفن الموسيقى، عمل يجدر بصانع تخاريم لا ببيتهوفن.
غير أن بيتهوفن-و لأول مرة في تاريخ الموسيقى- جعل من ذلك صيغة سامية، سجل فيها أجمل تأملاته.

نعم إنه لشيء معروف جدا. و لكن والدي كان يريد أن يعرف كيف يجب أن نفهم تلك الصيغة. ولماذا تغيير اللحن بالذات؟ و أي معنى يكمن في ذلك؟ لهذه الأسباب دعاني إلى غرفته و أراني التوليفة قائلا:"الآن أعرف!".

ميلان كونديرا
كتاب الضحك و النسيان
ت أنطوان أبوزيد

ليست هناك تعليقات: