الاثنين، 14 مارس 2011

امرأة الهيكل العظمي

لقد فعلت شيئا ما لم ينل رضا أبيها و إن لم يعد أحد يتذكر بعد ما هو هذا الشيء الذي اقترفته. لكن أباها جذبها إلى الجرف الصخري و رمى بها إلى البحر، هناك آكلت الأسماك لحمها و اقتلعت عينيها. و رقدت في قاع البحر، تقلب مياهه هيكلها العظمي مرات و مرات و تتقاذفها الدوامات و التيارات.

و في يوم من الأيام جاء أحد الصيادين يسعى، حسناً، في الحقيقة جاء العديدون إلى هذا الخليج على الأقل مرة من المرات. بيد أن هذا الصياد القادم من بعيد لم يعرف أن الصيادين في هذا المكان قد غادروه قائلين إن هذا الخليج الصغير مسكون بالأشباح.

و جاست صنانير الصياد في الماء و تعلقت بكل النتوءات و اشتبكت بكل المواضع في القفص الصدري للهيكل العظمي للمرأة. و أخذ الصياد يفكر: " أوه، الآن وقعت حقيقة على صيد ثمين! الآن بالفعل حصلت على الصيد!". كان يفكر كم من الأشخاص سيأكلون من هذه السمكة، و كم من الوقت سوف تكفية، و كيف سيكون بإمكانه أن يستريح لبعض الوقت من الخروج للصيد. أخذ يناضل لجذب الصيد الثقيل في نهاية الشبكة. و بينما كان البحر ثائراً يفور منه الزبد و زورقه يتمايل و يهتز، كانت هي تحت تناضل لتخليص نفسها. و كلما جاهدت أكثر كلما تشابكت في خيوط الشبكة أكثر و أكثر، و رغم مقاومتها الشديدة، إلا أنها كانت تتجه لأعلى، شيء ما يشتبك بضلوعها و يجذبها من عظامها إلى أعلى.

كان الصياد مشغولاً بجذب شبكته، لذلك لم يلحظ رأسها الأصلع يرتفع فوق الأمواج، لم ير المخلوقات المرجانية الصغيرة تطل من عيني جمجمتها، و لم ير القشريات السرطانية تلتف حول أسنانها العاجية الكبيرة. و حينما استدار صوب شبكته، كان جسدها بأكمله على حاله قد وصل إلى سطح الماء و تعلقت أسنانها الأمامية الطويلة بحافة الزورق.

"أوغ!"، هكذا صاح الرجل إذ سقط قلبه في ركبتيه، و غاصت عيناه من الرعب إلى مؤخرة رأسه، و توهجت أذناه بالحمرة الساطعة. صرخ: "أوغّ"، و دفعها بمجدافه بعيداً عن مؤخرة الزورق، و بدأ يجدف نحو الشاطئ كمن أصابه مس من الشيطان. و لأنه غير متأكد من أن الشباك تقيدها، تملكه مزيد من الرعب إذ إنها بدت كأنها تحاول الوقوف على قدميها لتتعقبه على طول الطريق إلى الشاطئ، و عبثا حاول السير في خط متعرج بزورقه، إلا أنها ظلت خلفه مباشرة. و اندفعت أنفاسها تقلب المياه و تنفث سحباً من البخار، و أخذ ذراعاها يجدفان في الهواء كما لو كانت تحاول الإمساك به و اختطافه إلى الأعماق.

و حينما لامس قاربه الأرض عوى صارخاً:" أجاي ي ي". و بقفزة واحدة أصبح خارج الزورق، و أخذ يعدو قابضاً على حربته، بينما الجثة البيضاء المرجانية للمرأة العظمية لازالت تتلوى في الشبكة و تتخبط خلفه و هي تتبعه مباشرة. جرى فوق الصخور و هي تتبعه، كان يعدو فوق التندر( سهل أجرد في المنطقة القطبية الشمالية) المتجمدة و هي تلاحقه دون انقطاع. و حينما جرى فوق لب الثمار المجفف المنشور طقطق و تكسر تحت وقع حذائه المصنوع من جلد الفقمة.

و خلال ذلك كله ظلت وراءه تتبعه، و الحقيقة أنها التقطت بعضاً من السمك المجمد و تتدحرج خلفه. و هو ما بدأت تأكله، حيث أنها لم تكن قد التهمت شيئاً منذ زمن طويل طويل. و أخيراً وصل الرجل إلى كوخه الثلجي، و غاص مباشرة في النفق زاحفاً على يديه و ركبتيه إلى الداخل. رقد هناك في الظلام لاهثاً يعلو صوت نشيجه، و قلبه طبله، طبله هائله تدق أخيراً أمان، أوه منتهى الأمان، نعم أمان، شكراً للآلهة، للغربان السوداء، نعم، شكراً للغربان السوداء، نعم شكرا للإله "سندا" فائق الجمال، أمان ...
أخيرا...

تخيلي حينما أشعل مصباح زيت الحوت، هناك كانت ترقد صريعة على الأرضية الثلجية، أحد كعبيها فوق كتفها، و إحدى ركبتيها داخل قفصها الصدري، و قدمها فوق مرفقها، و لكن هناك شيئاً ما لم يستطع أن يحدده، ربما خفف ضوء النار المنبعث من المصباح من قسوة ملامحها، أو إنها الحقيقة في كونه رجلاً وحيداً. بيد أن شعوراً ببعض الشفقة سرى مع أنفاسه بالتدريج ووصل إلى يديه المسخمتين، و بدأ يخلصها من خيوط الشباك، و هو ينطق بكلمات رقيقة كتلك التي تهمس بها أم إلى طفلها.

"أوه، نا، نا، نا، نا" أولاً بدأ بفك كعبيها، ثم كاحليها، "أوه، نا، نا، نا، نا". و شيئاً فشيئاً ظل يعمل طوال الليل، دثرها بالفراء ليحفظ لها الدفء، إلى أن صارت جميع عظام المرأة الهيكلية بنفس الترتيب الذي ينبغي أن تكون عليه العظام البشرية.

و تحسس أكمامه الجلدية لإعدادها للقدح، و استخدم بعضاً من شعره لإشعال مزيد من النيران الواهنة. و تفرس فيها من حين لأخر، و هو يزيت الخشب الثمين لعصا الصيد و يرتق خيوط شبكته. و لم تنبس بكلمه- لم تواتها الجرأة- خشية أن يأخذها الصياد إلى الخارج و يلقى بها إلى الصخور، خشيت أن تتكسر عظامها و تتفت بالكامل.

و شعر الرجل بالنعاس يداعبه، فدلف تحت دثارات النوم، و سرعان ما انزلق إلى الحلم. و أحيانا عندما ينام البشر- كما تعلمين- تفر دمعة من عين الحالم، و نحن لا نعرف أبدا أي نوع من الحلم يسبب هذا، لكننا نعلم أنه إما يكون حلماً عن الحزن و الشجن أو حلماً عن الاشتياق و الحنين و هذا ما جرى للرجل.

و رأت امرأة الهيكل العظمي الدمعة تتلألأ و تلمع في الضوء المنبعث من النار، و شعرت فجأة بظمأ عظيم. فمضت ترن و تقعقع و تخشخش و تدب و تزحف نحو الرجل النائم، و وضعت فمها على دمعته. كانت الدمعة الوحيدة مثل نهر، شربت منه و شربت ثم شربت حتى ارتوت و انطفأ عطش السنين الكثيرة الطويلة.

و بينما هي راقدة إلى جانبة، تسللت إلى داخل الرجل النائم، و أخذت قلبه، الطبلة العظيمة. و انتصبت جالسة و أخذت تقرعها من كلا الجانبين: بوم، بوم، بوم، ... بوم!

و شرعت تغني على الإيقاع و هي تقرع الطبلة:" لحم، لحم، لحم!،لحم، لحم، لحم!"، و كانت كلما غنت اكتسى جسدها باللحم. غنت من أجل الشعر، و عينين نجلاوين، و يدين بضتين جميلتين، غنت من أجل الشق بين ساقيها، و ثديين كبيرين بالقدر الكافي لبعث الدفء، غنت من أجل كل الأشياء التي تحتاجها المرأة.
و حينما اكتمل كل شيء غنت أيضاً من أجل خلع ملابس الرجل النائم، و زحفت إلى فراشه معه، الجلد العاري على الجلد العارى. و أعادت الطبلة العظيمة، أرجعت قلبه إلى جسده، و هكذا استيقظا مجدولين مع بعضهما، متشابكين بخيوط ليلتهما، بطريقة أخرى الآن، بطريقة جميلة و دائمة.

يقول الناس الذين لم يعودوا يتذكرون حظها الأول العاثر- أنها ذهبت مع الصياد بعيداً، و أنهما كانا يتغذيان جيداً و باستمرار على الكائنات التي عرفتها في حياتها تحت الماء، و يقول الناس إن هذه الحكاية حقيقية، و إن هذا هو كل ما يعرفونه.

كلاريسا بينكولا
نساء يركضن مع الذئاب
ت- مصطفى محمود

ليست هناك تعليقات: