السبت، 22 يناير، 2011

مقتطف :)

...
خذني.... الوقت أضيق من أن نتركه يمضي.... الوقت لعنة، يتسلل بين الكراسي والثياب، والكؤوس، والكتب، يتسلق الجدران، يختبئ بين الشراشف، وأسفل السرير، وبين الملاعق و الصحون والصور التي نُثَبِت فيها ضحكاتنا القديمة، ثم يغادر كغريب، بقبعة مخملية، ومعطف وقفازين من الجلد .
خذني... لا وقت نضيعه في إثبات من منا الأذكى، ومن هو الأكثر حزناً، ومن يحفظ أسماء شوارع المدن التي زارها، لا وقت للموسيقى، والكتب، والأفلام التي تُحبها، لا شيء أجمل من أصابعك تغط عليّ، تُزيل التراب الذي يغمرني. مدفونة أنا في قبر كبير يتسع لمجزرة- أنت موتي استطعت الامساك بك فيما ضاع مني كل شيء – وأنت غربتي التي بدلت فيها مئات المدن القديمة تاركة خلفي تعاويذ جدتي... أيتها المدن والأمكنة التي ستطؤها أقدام حفيدتي، كوني رحيمة بها، أخفي فتنتها عن أعين الأشرار، لا تتركيها للجوع والبرد، واجعلي العصافير ترقبها، وتحميها.
بطعنة في الصدر، تَرَكَت البيت، وكانت الريح تعصف حاملة معها ندف الثلج، امتطت البغل الأحمر وقالت له اركض إلى أن تموت، ظل البغل يركض لثلاثة أيام قبل أن يسقط، تمددت قربه، تشعر بدفء أنفاسه الساخنة المتهالكة، بينما كان ملاك الموت يجلسُ فوق الشجرة يراقب كل شيء ببرود غريب، قالت له: أرحني، اقترب وخلصني... قبلها الملاك على جبينها.... ساعتك لم تحن، نامي الآن وستصحين في بيت رجل ُيعلمك الحكمة، وقراءة الكتب المقدسة التي لم تسمعي بها.
ثمة من وضعها في عربة القش وغطاها بمعطفه وأحبها، وكتب لها عشر قصائد، وزرع لها حقلاً كاملاً من الذرة التي لم تنبت، واشترى لها طوقاً من الذهب، وألف لها أغنية عن امرأة تشبه اكتمال القمر، ثم مات لأنه لم يجد شيئاً ليفعله لها أكثر من ذلك، مات وهو يعزف على الأكورديون، وينظر الى المطر الذي كان قوياً يومها..... والمرأة وضعته في عربة القش ذاتها، غطته جيداً، لأن الأموات يشعرون بالبرد أكثر من الأحياء، وفي المكان الذي عثر عليها، أحرقت جثته، وعربته وأوكورديونه، و نثرت رماده في النهر.
" ملتصق بك أيتها الحياة التي وجدتْ مبتورة اليد"
لم يكن لي في حضرتك إلا أن أكون أنا، صافياً من أي ادعاء، بذات الملامح المتعبة والقلق الذي لا يفارق نظراتي، لم يكن لي إلا أن أكون طاهراً ونظيفاً كبياض عينيها اللتين بكتا كثيراً حين رويت لها انتحار أخوتي الأربعة، وكيف نبت لأمي جناحان من الحزن وطارت ولم تعُد، حتى الأشجار التي كانت تغني لها كل يوم لم تعرف مكانها، فاستسلمنا جميعاً لفكرة تحولها الى غيمة تُمطر في مكان ما.
...
من
"لا أحد يطير"
حازم سليمان

ليست هناك تعليقات: