السبت، 13 أكتوبر 2018

إلى هالة طارق: من شيكاجو إلى القاهرة.. بين طيات الغربة!


العزيزة جدا هالة
أبدأ كتابة هذه الرسالة في "تآليف*، في الخلفية صوت مجموعة بن عربي تغني سلبت ليلى مني العقل!مدهش جدا مسار حياتي هنا يا هالة!مدهش .. بشكل يملأ عيناي بالدموع بتلقائية شديدة..تأليف؛
مر علي أسبوع من الحيرة الشديدة، مشاعر عنيفة بالوحدة وافكار بإنعدام المعني!ثم أدركت الونس، كان حلم لطيف .. أو هذا ما أذكره، كان في حلمي رجل ستيني في منتهى اللطف والجدعنة!بعد يومين تقريبا، سألت نفسي من أين نبع هذا الرجل في وعيي/لاوعيي.. وهل هناك أخرين؟!يوم تال، وبدأت في إدراك إن هناك الكثيرون في وعيي/لاوعيي. في تلك اللحظة تبددت الوحشة/الوحدة .. عم ونس خفيف الحضور بديع التأثير !سألت صديقة عن تجمعات المسلمين او مكان لتعليم القرآن، رشحت لي مجموعة من الأماكن المختلفة ومنها مكان قريب من الجامعة، تأليف شيكاجو! قالت أنهم يعقدون "مولد" وهو غالبا ما يطلق على مجلس إنشاد البردة في العامية السورية!تحمست للذهاب.. وهناك وجدت الآلفة التي أبحث عنها!بردة البوصيري كخط رفيع يربط أجزائي ببعضها.أتذكر صوت أبي يعلمني الأبيات، كزخرفة لجدران غرف بيت السحيمي عندما دخلته مع أمي لأول مرة.. ثم صوت الشيخ العطواني ينشد تسبيعات البردة في الطريق لقمة جبل موسى لأول مرة. ثم في غرفتي تلك الليلة التي تلت انتهكت فيها الجامعة في2014.. في الغابة .. ثم في الأسكندرية عند عودتي من موسكو وذهبت لزيارة سيدي أبو العباس المرسي.. فوجدت نفسي أمشي في اتجاه الجامع الصغير المجاور.. وأقرأ على اللافته اسم الأمام البوصيري فأدخل لأصلي الظهر.. ثم هنا في شيكاجو!مخططات فاينمان؛
وكأنني أتعلم المشي من جديد.. أثناء محاضرات فيزياء المادة المكثفة، يبدو كل شيء مألوفا جدا، ولكنه جديد.. سأظل أسأل نفسي كل مرة عن تلك المرة التي توقف فيها عقلي عن العمل .. أثناء كلامي مع صديق أقول بتهكم: "أيوا ليك نظرة استشرافية" فيسألني عن معناها.. أخبره، ثم اسأل جوجل لأتأكد!فقدت بعض ملكاتي العقلية لفترة قصيرة.. ولكني بعد ما استعدتها فقدت ثقتي العمياء في هذا العقل!!فهل ستغمرني الثقة مطمئنة يوما ما؟!رسالة المعاونة والمظاهرة والمؤازرة؛
سلسلة من المصادفات، بدأت برسالة نصية ثم دعوة تلقائية مني لزيارة مسكني.. اثناء تبادل أطراف الحديث، سألتني عن الكتاب الأزرق الصغير.. حاولت أن أشرح بانجليزيتي الضعيفة (هذا رأيي رغم مخالفة الجميع) ماهو التصوف ومن هو سيدي ابن عطاء السكندري و الحكم العطائية.. لكنني فشلت؛ إلم أقل لك لغتي ضعيفة!بالاستعانة بمحركات البحث لم أصل لترجمة للحكم العطائية، لكنني وجد ترجمة لكتاب أخر؛ رسالة المعاونة والمظاهرة والمؤازرة للراغبين من المؤمنين في سلوك طريق الآخرة للإمام الحداد.. طلبته من أمازون ووصلني في اليوم التالي!كان هذا في بداية سبتمبر.. في تأليف وجدت حدثا شهريا (living right ) .. مجلس شهري للقراءة في كتاب الامام الحداد (the book of assistance) .. الكتاب الذي اشتريته قبلها باسابيع بعد سلسلة مصادفات!
غربة فوق غربة فوق غربة!ليس هناك مبرر خاص للشعوري بالعجز والخرس.ولكن لغتي عاجزة عن التعبير عني، عن قيمي، أفكاري.. وبالتأكيد مشاعري!في معظم الحالات ما بداخل رأسي هو صور متلاحقة، رسوم بيانية، خطوط متماوجة ومستقيمة تتقاطع ليصبح لها دلالة ما.. أنا وحدي أعرفها!ولكن بين طيات الغربة، يسكن الونس، والآلفة.. واللطف!فالحمد لله.مودتي
رضوى

الجمعة، 18 مايو 2018

إلى سارة مسلم؛ من فرانكفورت إلى القاهرة (.. تجد عوضا..)



العزيزة جدا سارة،


مرت الشهور سريعا، وها أنا في طريق العودة لزيارة صيفية!
بالأمس كنت مارة أمام مبنى student center east! تذكرت المرة الأولى التي وقفت فيها في إنتظار الإشارة لأعبر الطريق وأدخله.. كيف كان كل شيء يبدو جديدا حينها، جديدا ومألوفا في الوقت نفسه!
لم أكن أعرف أحد في المدينة حين وصلت!!
أعلم الأن كم كان هذا جنونا نظرا لمستوى الأمان في شوارع شيكاجو!
بعد أول ساعتين أصبح لدي معرفة طفيفة بإدوارد، الذي مازل رقم هاتفه بذاكرة التليفون... ساعدني إدوارد في الحصول على غرفة بفندق فخم وآمن -بدون حجز مسبق- لأقضي ليلتي الأولى.. ساعدني أيضا في شراء خط تليفون؛ رقم يبدأ ب 312 كود شيكاجو كما أخبر البائع.
في اليوم التالي تعرفت على إرفان. كان يقف جواري في انتظار اشارة المرور في الطريق لنفس الجلسة التعريفية التي ينبغي حضورها.. إرفان سبقني بسنوات كطالب دراسات عليا أجنبي في الجامعة.. وهو الآن المحاضر باعتباره يعمل في مجال العقارات..
بعد بضع ساعات لاحقة، قابلت نور لأول مرة.. بدت صغيرة جدا.. طالبة جامعية مصرية في معهد إلينوي التكنولوجي! بدت صغيرة جدا، لكنها ناضجة جدا كذلك بفعل الكثير من الخبرات والتجارب الصعبة!!

توالى الأصدقاء الاعزاء بالظهور في حياتي الجديدة في المدينة..

اليوم وأنا في طريقي للقاهرة، يملئني اطمئنان.. لدي حياة اجتماعية غنية بانتظاري في شيكاجو.
سألتني أيرس قبل أيام قليلة إن كان لدي حيوانات أليفة في القاهرة، أخبرتها بانني لم أتمكن من هذا لسفري المتكرر في السنوات الاخيرة. ردت بأنني الأن لدي قطين "بشكل ما"!

سكوتي متدللا على سجادة صلاتي

**
لو تعلمين لم تكن شيكاجو في الخطة أصلا!!
كان لدي قائمة طويلة بالجامعات التي أرغب في التقديم لبرامج الدكتوراة فيها.. ظلت القائمة تتقلص ببطئ.. ثم قارب موسم التقديم على الإنتهاء.
بعد منتصف يناير وجدت صفحة القسم ضمن محفوظات متصفح الإنترنت.. بعدها راسلت جيمز ليخبرني أن لدي فرصة جيدة جدا في القبول!

لم تكن شيكاجو في خطتي، لكنها وافقتني جدا.. أحببت المدينة للغاية. أحببت الموسيقى من فناني الشوارع.. التباين الصارخ في أي تجمع بشري منتظرا أشارة مرور وسط البلد.. السينما وحفلات الموسيقى والمهرجانات..
أحببت المدينة الضاجة بالحياة..
وكذلك أحببت القرية المجاورة التي أسكنها :)
اقول قرية، ولكنها أقرب لجاردن سيتي.. بيوت متجاورة من طابقين، وحدائق أمامية وخلفية شديدة الخضرة في الربيع والصيف.. أعشق البارك التي أسكن جوارها، صوت لعب الأطفال أيام الاجازات.. تجمعات الأطفال مع مدرب لممارسة البيسبول.. صوت ضربات الكرة لمضارب التنس.. وخطواتي المبتدئة في ممارسة الجري!

نعم، لقد بدأت عادة جديدة؛أجري.. أتابع مجموعة برامج راديو إنترنت من بينها برنامج موجه للنساء متوسطي العمر زائدات الوزن.. اللاتي يرغبن في ممارسة الجري!
لم يكن الجري في الخطة كذلك، كنت أشتاق لممارسة السباحة؛ إيقاع حركة الذراعين والرأس داخل وخارج الماء وإنتظام التنفس!
ذلك الإيقاع الجميل الأسر..
بالطبع هناك حمام سباحة في الجامعة، لكنني لا أرغب في السباحة جوار رجال أجانب.. وبهذا وجد الجري مدخلا لقلبي.
إيقاع ضربات قدمي للأرض وحركة الذراعين في الهواء.. متناغما مع إيقاع الشهيق والزفير.. يتداخل معهما أفكاري العشوائية، التي تمر بذهني سريعا كمرور السحاب!

**
لم تكن شيكاجو في الخطة، ولم يكن الجري في الخطة كذلك، وبالطبع لم يكن بنيتي اقتناء قط..

لكنني وجدت نفسي هناك، أجري، وأداعب قطا صاحبني لأشهر.. وأفتقده الآن!

مودتي رضوى
فرانكفورت-ألمانيا
مايو 2018

الثلاثاء، 10 أبريل 2018

إلى رضوى علي.. من شيكاجو إلى الهرم؛ سكة سفر

"قدامك سكة سفر"
عزيزتي رضوى،
كنت الطفلة التي يطالبها الجميع بأن تخرس.. تلك الكلمات التي تبدد دخان الأكاذيب الوردية لا يرغب أن يسمعها أحد؛ خصوصا بصوتي "المسرسع"!
أقول: إن نفذنا الخطة التجميلية وطفحت البلاعة لن يتمكن أحد من دخول العمارة أو مغادرتها فيتم زجري لتدخلي في كلام الكبار!

أقول لمدرسة الأحياء: نموذج ال DNA ثلاثي الأبعاد، وخال من العقد التي ترسمها بالطباشير وتؤكد وجودها فتتهمني بالشغب وتطردني من الحصة!

كنت الطفلة التي يطالبها الجميع بأن تخرس، والناضجة التي تحاول بشدة أن تتكيف لتجد مكانها بين الكبار..
أسأل موظف التلغراف عن دلالة الأرقام في الورقة: فتشير خالتي لرأسها بثلاث أصابع "علامة على الجنون" وتقول معلش أصلها بتاعة فيزيا!! ويتبادلا الابتسام!

على الهاتف اسأل: ما دلالة قدرته على الوقوف وهو مريض؟ ألم تدخل أمي المستشفى مشيا على قدميها منذ شهور وهي في أخر مراحل مرض خطير -أدى للوفاة-!
فيصلني الرد: خلاص خلاص أنا مش بفهم كلامك! متبوعا بصوت انقطاع الخط!!
..
أكره السفر يا رضوى..
أكره حزم الحقائب، تفتيش المطارات.. قلة النوم لاختلاف التوقيت.. فراق الأحبة.. لحظات التوتر.. والأهم كسر الروتين والسكينة!
أنا أعشق الأستقرار.. وأكره السفر!

أحلم بحياة عادية رتيبة: أستيقظ مبكرا، الأفطار سويا، العمل لساعات محددة يوميا، شراء البقالة، متابعة شيء ما على الشاشة (مبارة كرة سلة، أو ربما بطولة تنس).. الغسيل.. 
وبنهاية اليوم الاستلقاء على الفراش متجاورين، في أمان يسمح لي بالتعبير عن نفسي بحرية!!

أما الواقع، فأنا أحزم حقائبي للسفر مرتين سنويا .. على الأقل!
أنتقل من مدينة لأخرى.. ومن حلم بالاستقرار لأخر!

منذ سنة واحدة كنت في طريقي إلى تريستا (إيطاليا)؛  تلك الزيارة التي انتهت بنسياني مخدتي الكحلية الصغيرة في الأوتيل!
المخدة صاحبتني لخمسة أعوام تقريبا، من دالاس تكساس إلى قمة جبل موسى، ثم قمة جبل كاترين مرورا بزيارات متكررة لموسكو ثم الخروج للرعي في أودية سانت كاترين وأنتهاءا بتريستا.
كانت مستقر السكينة الثابت. كل ما نلته من حلم الاستقرار هو مخدة رقبة كحلية مساحتها أقل كثيرا من ربع متر مربع!!


منذ أسبوع وجدت نفسي في فرع المتجر بشيكاجو، أقف أمام مخدة رمادية تشبهها، أمسكتها لثوان بتردد وضعتها حول رقبتي.. ثم ضفتها لمحتويات سلة مشترواتي!!
فها أنا أستمر في حزم حقائبي.. بحثا عن سكن دائم، وعلاقة مستقرة، ومساحة حرة أتمكن فيها من الكلام دون زجر أو نبذ.. 
محبتي

شيكاجو - أبريل 2018

الأربعاء، 28 مارس 2018

Rights


مضطر لأن يعيش في الشوارع
قلبه أكبر من باب بيت
ــ عماد أبو صالح
Painted by: Berit Kruger-Johnson

I have the right to be accepted!

I have the right to be trusted!

I have the right to be appreciated!

I have the right to be loved!

I have the right to be respected!

I have the right to be supported!

I have the right to express myself freely!

I have no obligation to any relationship does not respect my rights..


الثلاثاء، 6 مارس 2018

إلى أحمد زكي.. من شيكاجو إلى أوكلاند؛ ثم ماذا؟!

Perhaps home is not a place but simply an irrevocable condition.
ــــ James Baldwin


العزيز أحمد،
تذكرتك ثلاث مرات على الأقل في الاوبرا..
بالتأكيد حضور عرض أوبرا، ولو كان بروفة الملابس النهائية، خارج خططي الحالية.. فرصيدي في البنك 8 دولار و55 سنت!
اين لي تذكرة تتعدى ال 170 دولارا؟!
ولكن في جبعة الحياة كثير من المفاجأت كما يبدو، كنت في المطبخ ليل الاثنين، أغسل الفواكه، أتت أيرس واخبرتني ان معها تذكرة لبروفة الملابس غدا لأوبرا فاوست، وأن لديها موعد مع الطبيب فلن تتمكن من الذهاب للاوبرا.. عرضت علي التذكرة، أنا أو احد أصدقائي، سألت ولكن الجميع مشغولات بامتحانات الميدترم، بعد تردد قررت الذهاب :)


ذكرتك أول مرة عندما سألتني السيدة في الكرسي المجاور عن بلدي، فأخبرتها مصر.. أثناء الحوار سألتني إن كانت هذه أول مرة لي في الأوبرا، رددت بأنني حضرت أوبرا عايدة في القاهرة.. وتحدثنا عن مغنيين السوبرانو المصريين والأمريكان..
أحب مصر يا أحمد.. ولا أدري إلى ما سينتهي هذا الوضع.. لأول مرة منذ سنوات لدي اجابة صادقة وملموسة على سؤال: ماذا أفعل هنا؟!
ولكنها غير كافية كما يبدو.
أو
هي أصغر قليلا من تغطية كل هذا الوجع/الحنين!
أنا لم أتجاوز الصدمات النفسية المتكررة التي اختبرتها السنوات الأخيرة.. وكذلك ليس لدي اجابة على نفس السؤال في القاهرة!!
كما اتفقنا من قبل -أكرر- أحبها من طرف واحد.. مع الأسف!

بدأ العرض!
انتاج جديد لأوبرا فاوست، برؤية حداثية شيئا ما..
مصمم الإنتاج، جون فريم. فنان تشكيلي، هذا هو انتاجه الأول للأوبرا.. وهذا بالطبع ظاهر بشدة، فقد تخلل مشاهد الأوبرا، أفلام المتحركة القصيرة، وماسكات منحوتة، وخلفيات المتحركة بالبروجيكتور. وهذا لم يعجب محبي الأوبرا المخلصين Too many things, so distracting !! كما قالت السيدة التي تجاورني :)
في الاستراحة الثانية وبعد اندهاشها قليلا أن العرض أعجبني، علقت Maybe the kids will like it! وبحسابات فارق السن، أظن أني أنتمي لفئة الKids من وجهة نظرها!

Faust

خلال العرض تذكرتك في كثير من المشاهد، في الحقيقة كنت أتمنى لو كنت هنا وشاهدناه معا.. ربما لأنه ذكرني ب"انتاجك"، وربما لثقتي أنك ستحسن تقديره!
..
في اليوم التالي، استجمعت طاقتي، وذهبت لبارك قريبة، كنت وحدي معظم الوقت، ألتقطت بعض الصور، وجلست للقراءة قليلا. عدت للبيت وأفكر: في كل الأماكن التي زرتها/عشت فيها تقريبا كنت أتوصل بعد عناء قليل لمكان وتفاصيل تشبهني!
في كل مدينة، كان هناك ممشى أشعر فيه بونس روحي، وتفاصيل صغيرة، مشروب مفضل، في دوبنا كنت أشرب إيرل جراي بالحليب.. في تريستا قهوة باللبن، وهنا قهوة سوداء بدون سكر!
لكل مكان أصواته؛ في كولومبس بارك سمعت صوت الكاردينال الأحمر لأول مرة.. بعد يومين، صباح نهاية الاسبوع ميزت صوته فور استيقاظي وابتسمت! مازلت أفتقد صوت الكروان قبل الشروق!!
**
اليوم أثناء ساعاتي المكتبية، كنت أشرح بعض المسائل فتاة عرفت بعدها أنها فلسطينية، قلت أنني من مصر، سألتني تفتقدينها، كان ردي أسرع من أفكاري: لا!
ثم امتلأت عيوني بالدموع!
نعم أفتقدها!
يطفو السؤال بذهني فورا.. ثم ماذا؟!


ولكنني لا أدري يا أحمد!


هل ستنتهي هذه الغربة يوما.. أم أنها تغللت تحت جلدي وفات الأوان!
على كل حال الغربة هنا ماتزال، أطيب وأيسر: واضحة وصريحة، وسهلة الاستئناس! هي في القاهرة كمرض خبيث؛ يمتص كل طاقتي ويسرق الأكسجين من دمي قبل أن يصل لخلاياي!!


مودتي
شيكاجو - مارس 2018


الخميس، 22 فبراير 2018

من شيكاجو إلى القاهرة؛ لافندر

عزيزتي،
بقالي كتير جدا بحاول أكتب.. تقريبا تلات شهور، كل مرة ببدا رسالة جديدة ثم بتوقف فجأة وأنسى!
مر وقت طويل على وجودي هنا.. امبارح خرجت اشتري ليمونتين من السوبر ماركت، في الطريق مريت جنب كنيسة مشيت جنبها مرات كتير جدا قبل كده، والمطر بينزل، وقوس قزح في السما، والتلج بينزل وانوار الكريسماس قدام البيوت، والتلج بيسيح.. وأخيرا امبارح
لكني افتكرت أول مرة مريت جنبها، كان بقالي اقل من شهرين في شيكاجو، اخيرا لقيت سكن، وبتجول في المنطقة وبجرب السوبر ماركت القريب.. يومها، كان فيه راجل وطفل في الجنينة الملاصقة للكنيسة، بيلعبوا بكرة بيسبول، كان بيعلمه إزاي يحدف الكرة وإزاي يلقطها!
افتكرت المشهد ده اللي كان غالب عليه الأخضر الزاهي، وفي خيالي شفت فيديو سريع لصورة المكان بمرور الايام.. وادركت قد ايه انا كمان أتغيرت!
***
الجو بيتغير ودرجة الحرارة بتزيد لكن بشكل متذبذب، من يومين الرطوبة كانت عالية ودرجة الحرارة 16°.. ثم نزل مطر غزير.. لما روحت البيت كانت هدومي كلها مبلولة.. والبوت والشراب!!
طبعا اليوم اللي بعده درجة الحرارة نزلت 1 تحت الصفر عادي جدا.. والشمس كانت طالعة والجو جميل

انا بكره المطر، دايما بينزل وانا مش مستعدة كفاية!
دايما بروح البيت بعدها وانا مبلولة وحاسة بالوحدة والبرد!
***
محتاجة اشتري بوت للمطر، وبفكر قد ايه انا اشتريت حاجات كتير جدا في كل مكان سكنت فيه شوية..
بفكر قد ايه الانتقال من مكان لمكان مكلف، التكلفة المادية عموما ماتجيش حاجة جنب التكلفة النفسية!
في كل سفرية اطول من شهر، انا بسيب علاقاتي بالناس والمكان وابدأ من الصفر اكون معارف جديدة، عادات جديدة، حتى طبيعة أكلي بتتغير.. وبلاقي نفسي محتاجة افكر في أكلات اطبخها متوافقة مع المكونات المتاحة، والأهم مع طبيعة الجو في الفترة دي.. مثلا شتا موسكو محتاج فطار مختلف كتير عن الفطار في شتا شيكاجو!


***
ولأنه صعب التخلي عن مكاني، المساحة الصغيرة من العالم اللي فيها حاجات شبهي، اللي فيها راحتي.. ولها طيف من ريحة اللافندر.
لان صعب جدا التخلي عن المساحة دي، فكل مرة بضطر اتخلى عنها، وأخلق مساحة جديدة في بلد جديدة بعيدة.. بيتكشف لي جزء من حقيقتي!

الحقيقة الثابتة مع كل المتغيرات دي.. واللي مش بالضرورة يكون كلها حلو، أو كلها وحش.. يمكن ده اللي بتعلم أقبله!
مودتي
رضوى
شيكاجو- فبراير 2018